بين ترامب والرئيس الصيني.. من يفرض نفوذه الاقتصادي على العالم؟

آخر تحديث:

شاركنا:
لقاء صيني أميركي في مايو المقبل لاستعراض النفوذ الاقتصادي (رويترز)
هايلايت
  • خريطة النفوذ من واشنطن إلى بكين في ملف الطاقة والرسوم الجمركية.
  • الصين تحصن اقتصادها باستثمارات ضخمة في الطاقة النظيفة والفحم.
  • ترامب يدرك أن الصين أقوى قياسا على فترة رئاسته الأولى.
  • حظر صيني على سلع استراتيجية للولايات المتحدة الأميركية.
  • ترامب يسعى لخفض البنزين 25% قبل انتخابات التجديد النصفي.

تستعد الصين لاستقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أول زيارة له منذ ما يقرب من 10 سنوات، في منتصف مايو المقبل، هذا إذا لم تتسبب الحرب في إيران في تأجيل رحلته مرة أخرى.

ومن منظور الصين، سيصل ترامب وهو في موقف أضعف بكثير مما كان عليه عندما التقى بالرئيس شي جين بينغ في كوريا الجنوبية قبل 6 أشهر فقط، ويعود ذلك إلى أن الرئيس الأميركي، وللمرة الثانية منذ عودته إلى السلطة، قد اختبر نفوذه ضد خصم رئيسي وأخطأ في تقدير الاستجابة، مما أسفر عن عواقب اقتصادية عالمية وفق تقرير بلومبرغ.

ضربة ترامب الفاشلة للصين

في البداية، حاول "ترامب" التضييق على بكين بفرض تعريفات جمركية باهظة تهدف إلى زعزعة نموذجها الاقتصادي، إلا أن الصين قاومت، حيث فرضت قيوداً على صادرات المعادن الأرضية النادرة، مما أجبر الولايات المتحدة على الدخول في هدنة في الحرب التجارية وسط تدافع عالمي للحصول على المغناطيسات الصغيرة اللازمة لصناعة كل شيء، من الهواتف المحمولة إلى الصواريخ.

والآن يواجه ترامب خصماً أكثر تقلباً بكثير؛ ففي رد فعل على الضربات الصاروخية الأميركية-الإسرائيلية، التي أسفرت عن مقتل جزء كبير من القيادة السياسية للجمهورية الإسلامية، قامت إيران بإغلاق مضيق هرمز تقريباً، وهو ممر مائي حيوي للنفط والسلع الأخرى - مما تسبب في أعمق اضطراب لأسواق الطاقة العالمية في التاريخ، وحول النظام الديني فعلياً الحرب الساخنة إلى حرب اقتصادية.

ركائز النفوذ الأميركي تضعف

وتصب هذه الآثار في مصلحة الدول التي سعى ترامب طويلاً لاحتوائها، والتي عمل "شي" على كسب ودها بعناية، فقد أجبر ارتفاع أسعار النفط واشنطن على تخفيف العقوبات المفروضة على الصادرات الروسية والإيرانية مؤقتاً على الأقل، مما أضعف ركيزة أساسية من ركائز النفوذ الأميركي في محاولة للحفاظ على تدفق الإمدادات.

بالنسبة لـ "شي"، الذي يدير الاقتصاد الصيني على أساس يقترب من وضع الحرب، فإن الصراع يثبت صحة توجهه نحو الاعتماد على الذات وقد يحسن مكانة الدولة على المسرح العالمي.

وبينما تسعى الدول للتحوط من صدمات الطاقة المستقبلية، تضاعف العديد منها رهاناتها على الطاقة المتجددة، وهو القطاع الذي تهيمن عليه الصين، والنتيجة هي تحول في ميزان القوى: فالصين تستوعب التداعيات حتى الآن باستقرارها، بينما تواجه الولايات المتحدة آلاماً اقتصادية واستراتيجية متزايدة وفق تقرير مطول لبلومبرغ.

ولطالما شدد الرئيس "شي" على حاجة الصين إلى الاكتفاء الذاتي، وفي مايو 2023، وبعد أشهر من تأمين ولاية ثالثة في سابقة تاريخية، أمر كبار المسؤولين بتبني عقلية "سيناريو الحالة القصوى"، محذراً من أن هناك "عواصف خطيرة" تلوح في الأفق.

صدمات الصين

ولم يحدد أقوى زعيم للصين منذ عهد "ماو تسي تونغ" مصدر تلك المخاطر، لكن البلاد كانت قد خرجت للتو من صدمتين رئيسيتين، جائحة كوفيد-19، التي قلبت سلاسل التوريد العالمية رأساً على عقب، وفترة رئاسة ترامب الأولى، التي ضربت بكين بالعقوبات والتعريفات الجمركية بينما اجتاحت واشنطن موجة من التشدد تجاه الصين من كلا الحزبين.

وقد رأى مفكرون بارزون في السياسة الخارجية في بكين أن تصريحات "شي" بمثابة تحذير من تزايد خطر المواجهة مع الولايات المتحدة، وقالوا إن سيناريو الحالة الأسوأ قد ينطوي على صراع مدمر يعطل إمدادات الطاقة والتمويل والغذاء.

ومع تكثيف واشنطن جهودها لقطع وصول الصين إلى الرقائق المتطورة، كانت الرسالة واضحة: الصين بحاجة إلى التفكير بعدة خطوات مسبقة من أجل الصمود.

الصين مستعدة

وبعد مرور 3 سنوات، يبدو أن هذا النهج قد بدأ يؤتي ثماره، فوسط صدمات الطاقة الناجمة عن حرب إيران، برزت الصين كواحدة من أكثر الاقتصادات استعداداً، وهو إنجاز ليس بالهين بالنسبة لأكبر مستورد للنفط الخام في العالم.

وتنبع هذه المرونة في جزء كبير منها من الاستثمارات الضخمة في الطاقة النظيفة والفحم، وكلاهما تمتلكه الصين بكثرة داخل حدودها، تمتلك الصين قدرة مركبة من الطاقة الشمسية تفوق أي دولة أخرى.

كما أن نصف السيارات الجديدة المباعة في ثاني أكبر اقتصاد في العالم هي سيارات كهربائية، مما يحمي المستهلكين من ارتفاع أسعار الوقود، ولا يزال الفحم يولد حوالي نصف طاقة الصين، وتتجنب الدولة الاعتماد المفرط على أي مورد طاقة منفرد.

ففي العام الماضي، كانت أكبر مصادر النفط بالنسبة لها هي روسيا (17.5%) والسعودية (15%)، وبشكل عام، وصل الاكتفاء الذاتي من الطاقة إلى حوالي 80%.

ضغوط قوية على ترامب

على النقيض من ذلك، يواجه ترامب ضغوطاً فورية لخفض أسعار الوقود في المحطات قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، وصرح وزير الخزانة سكوت بيسنت الأسبوع الماضي بأنه متفائل بأن تكلفة البنزين ستنخفض إلى 3 دولارات للجالون مرة أخرى خلال موسم القيادة الصيفي الذي يبدأ في منتصف يونيو، وهو ما يمثل انخفاضاً بنحو 25% عن الأسعار الحالية.

وفي واشنطن، يعتقد المسؤولون أنهم يكتسبون ميزة على الصين؛ حيث تُعتبر جهود ترامب للسيطرة على النفط الإيراني وتحركاته السابقة بشأن فنزويلا، مع اعتقال الولايات المتحدة للرجل القوي نيكولاس مادورو في يناير ثم سيطرتها فعلياً على النفط الخام في البلاد، جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد داخل الإدارة لتقليص نفوذ الصين.

مخاوف من تراجع الطلب

وإذا طال أمد الحرب، فقد تتزايد الضغوط على بكين، خصوصا إذا بدأت احتياطيات الصين الوفيرة من النفط في التآكل، وإذا أدت أزمة الطاقة العالمية إلى ركود يقلل الطلب على السلع الصينية، ولكن بالمقارنة مع القيود المفروضة على السيارات في كوريا الجنوبية، وانقطاع التيار الكهربائي في باكستان، وقيام بعض دول جنوب شرق آسيا بفرض أو دراسة أسبوع عمل لمدة 4 أيام للحفاظ على الإمدادات، تظل الأعمال في الصين تسير كالمعتاد في الغالب.

بالنسبة لـ "شي"، تعتبر هذه اللحظة إثباتاً لصحة رؤيته، فقد تعرض توجه الصين نحو الطاقة المتجددة في القرن الحادي والعشرين، والذي بدأ في عهد أسلافه، لانتقادات مستمرة من القادة الأوروبيين الذين يزعمون أن الدعم الحكومي لبكين خلق ساحة منافسة غير عادلة.

أما الآن، فمن المرجح أن تتوجه المزيد من الدول نحو تنويع مصادرها عبر التكنولوجيا الخضراء، مما يخلق فرصاً للصين لتوسيع صادراتها من الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية وهو ما يعزز اقتصادها وشراكاتها على حد سواء.

لمدة 6 أشهر تقريباً من العام الماضي، كانت ضوابط التصدير التي فرضتها بكين على المعادن الأرضية النادرة بمثابة حصار شبه كامل للعالم أجمع، وهو ما لم يتوقعه إلا القليلون.

وصدّرت الصين ما قيمته 2.9 مليار دولار تقريباً من المغناطيسات في عام 2024، أي أقل من 1% من إجمالي صادرات البلاد البالغة 3.6 تريليون دولار في ذلك العام.

و أقرت الصين قانون الرقابة على الصادرات في عام 2020، مع اقتراب نهاية ولاية ترامب الأولى، واستُكمل ذلك بسلسلة من التدابير القانونية التي تحاكي مجموعة الأدوات الأميركية للعقوبات والقوائم السوداء.

حظر صيني على بعض السلع

وقبل أسابيع من عودة ترامب إلى منصبه، وسعت بكين هذا النظام بفرض حظرا على بيع بعض السلع للولايات المتحدة، وهو حظر انطبق أيضاً على الشركات خارج الصين، وبحلول الوقت الذي بدأت فيه الحرب التجارية الثانية، كانت الصين مستعدة لفرض نظام ترخيص للمعادن الأرضية النادرة يجمع بيانات مفصلة عن وجهة مغناطيساتها، مع تدقيق خاص في التطبيقات العسكرية.

ومثلما تهيمن الصين على المعادن الأرضية النادرة، أصبحت إيران الحارس الفعلي لنحو 20% من صادرات النفط والغاز العالمية منذ بدء الحرب، ومع ذلك، يبدو أن قبضة طهران أقل ديمومة؛ حيث يُنظر إلى نظام تحصيل الرسوم البحرية الذي تتبعه على أنه غير شرعي ومن المرجح ألا يكون مقبولاً للدول التي تعطي الأولوية لحرية الملاحة.

وفي الوقت نفسه، أدت محاولة ترامب للرد بحصار مضاد إلى زيادة حالة عدم اليقين بشأن من يسيطر في النهاية على الممر المائي.

المواجهة في هرمز

وليس من الواضح من سيتراجع أولاً، حيث تراهن إيران على أنها تستطيع تحمل ألما أكثر من ترامب، ومهما كان تطور المواجهة في هرمز، فإن صعوبة تغلب ترامب على إيران، عسكرياً واقتصادياً، تؤدي إلى تآكل المصداقية الأميركية.

لقد وصف ترامب رحلته إلى الصين بأنها "تاريخية محتملة"، وقد تثبت بالفعل أنها كذلك، ولكن بدلاً من أن تكون عرضاً للقوة الأميركية، فمن الأرجح أن تكون علامة على مدى تحول ميزان القوى بين الولايات المتحدة والصين.

وفي عالم تشكله أنواع "السيناريوهات القصوى" التي توقعها الرئيس "شي" منذ فترة طويلة، سيصل الرئيس الأميركي إلى بكين وفقاً لشروط يضعها الآخرون بشكل متزايد.

(ترجمات)