كشف مجلس الذهب العالمي، في أحدث بياناته، عن تحوّل لافت في سوق المعدن الأصفر خلال مايو 2026، بعدما تباطأت تدفقات صناديق الذهب المتداولة عالميًا وتحولت إلى خروج محدود للأموال، في مقابل عودة البنوك المركزية إلى الشراء الصافي خلال أبريل، ما يعكس سوقًا تتحرك بين جني الأرباح واستمرار الطلب الإستراتيجي على الذهب.
مجلس الذهب العالمي يرصد تراجع زخم صناديق الذهب
أوضح مجلس الذهب العالمي، أن صناديق الذهب المتداولة عالميًا سجلت صافي تخارج بنحو 2 مليار دولار في مايو 2026، بعدما فضّل عدد من المستثمرين الترقب وجني الأرباح مع تحرك الأسعار في نطاق محدود وعودة شهية المخاطرة إلى قطاعات أخرى مثل التكنولوجيا.
ورغم التخارج الشهري، ظلت التدفقات منذ بداية العام إيجابية بنحو 17 مليار دولار، ما يشير إلى أن الذهب لم يفقد جاذبيته الاستثمارية بالكامل، لكنه دخل مرحلة أكثر هدوءًا بعد موجة طلب قوية في الشهور السابقة.
وبحسب البيانات، كانت أوروبا المنطقة الوحيدة التي سجلت تدفقات داخلة إلى صناديق الذهب خلال مايو، بينما تحولت أميركا الشمالية وآسيا إلى التخارج.
وسجلت صناديق أميركا الشمالية تخارجات تقارب 1.1 مليار دولار، في حين شهدت آسيا أول تخارج شهري منذ أغسطس 2025، بقيمة وصلت إلى 1.2 مليار دولار، مدفوعة أساسًا بتراجع الطلب في الصين، إلى جانب خروج محدود من الهند بعد سلسلة طويلة من التدفقات الداخلة.
تراجعت أصول صناديق الذهب المتداولة عالميًا بنسبة 2% على أساس شهري إلى 604 مليارات دولار بنهاية مايو، بينما انخفضت الحيازات إلى 4121 طنًا، لكنها بقيت قريبة من المستوى القياسي المسجل في فبراير 2026 عند 4176 طنًا.
وتوضح هذه الأرقام أن خروج السيولة في مايو لم يكن انهيارًا في الطلب، بل أقرب إلى تهدئة مؤقتة بعد صعود قوي في الأسعار وتغير شهية المستثمرين بين الذهب والأسهم.
البنوك المركزية تعود للشراء
في المقابل، أظهرت بيانات البنك المركزي أن المؤسسات الرسمية عادت إلى شراء الذهب صافيًا في أبريل 2026، بإجمالي 19 طنًا، بعد مبيعات واضحة في مارس.
وتصدر البنك الوطني البولندي، مشتريات أبريل بإضافة 14 طنًا، بينما رفع بنك الشعب الصيني احتياطياته بنحو 8 أطنان، وهي أكبر إضافة شهرية للصين منذ ديسمبر 2024، كما واصل البنك المركزي التشيكي مشترياته للشهر الثامن والثلاثين على التوالي.
تكشف عودة الصين للشراء بوتيرة أعلى، أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته كأداة لتنويع الاحتياطيات، خصوصا في ظل التقلبات الجيوسياسية والقلق من هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي.
ووصلت احتياطيات الصين الرسمية من الذهب إلى نحو 2,322 طنًا، بما يمثل قرابة 9% من إجمالي احتياطياتها، مع استمرار سلسلة الشراء للشهر الثامن عشر على التوالي.
كان تقرير اتجاهات الطلب على الذهب للربع الأول من 2026 قد أظهر أن إجمالي الطلب العالمي، بما في ذلك التعاملات خارج البورصة، ارتفع 2% على أساس سنوي إلى 1231 طنًا.
ومع ارتفاع الأسعار، قفزت قيمة الطلب الربع سنوي 74% إلى مستوى قياسي بلغ 193 مليار دولار، بينما سجل متوسط سعر الذهب في الربع الأول مستوى قياسيًا عند 4873 دولارًا للأوقية.
المجوهرات تحت ضغط الأسعار المرتفعة
رغم قوة الطلب الاستثماري، تعرضت مشتريات المجوهرات لضغط واضح بسبب الأسعار القياسية، إذ تراجع حجم الطلب على المجوهرات 23% على أساس سنوي في الربع الأول.
ويعني ذلك أن المستهلكين أصبحوا أكثر حساسية للسعر، خصوصا في الأسواق الآسيوية التي تمثل عادة محركًا رئيسيًا للطلب على المشغولات، بينما تحولت السيولة بشكل أكبر نحو السبائك والعملات والصناديق خلال فترات التوتر.
ارتفع الطلب على السبائك والعملات إلى 474 طنًا في الربع الأول، بزيادة 42% على أساس سنوي، وهو ثاني أعلى مستوى فصلي مسجل لهذا النوع من الطلب.
ويعكس ذلك تفضيل شريحة واسعة من المستثمرين الاحتفاظ بالذهب في صورته الاستثمارية المباشرة، خصوصا مع ارتفاع التضخم وتوترات الشرق الأوسط واستمرار المخاوف من تقلبات العملات والأسواق.
ماذا تعني البيانات لسوق الذهب؟
تظهر البيانات، أن الذهب لم يعد يتحرك بعامل واحد فقط، فالصناديق قد تشهد خروجًا مؤقتًا مع صعود الأسهم أو جني الأرباح، بينما تستمر البنوك المركزية في الشراء لأسباب إستراتيجية طويلة الأجل.
وهذا التباين، يعني أن السوق قد يمر بفترات تصحيح أو هدوء، لكنه لا يزال مدعومًا بعوامل عميقة، منها تنويع الاحتياطيات، والتحوط من المخاطر الجيوسياسية، والبحث عن أصول تحفظ القيمة في بيئة عالمية غير مستقرة.
وخلال الفترة المقبلة، ستظل حركة الذهب مرتبطة بتدفقات صناديق الاستثمار، وقرارات البنوك المركزية بشأن الاحتياطيات، واتجاه الدولار والفائدة الأميركية، إلى جانب أي تصعيد أو تهدئة في الملفات الجيوسياسية.
وإذا عادت التدفقات بقوة إلى صناديق الذهب، فقد يستعيد المعدن الأصفر زخمًا واضحًا، أما إذا استمرت شهية المخاطرة في الأسهم وتراجعت التوترات، فقد يبقى الذهب في نطاق أكثر هدوءًا مع احتفاظه بدعم البنوك المركزية.
(المشهد)