أعادت الحرب المرتبطة بإيران الفحم إلى واجهة مشهد الطاقة العالمي، بعدما دفعت اضطرابات إمدادات النفط والغاز وارتفاع الأسعار عددًا من الدول، خصوصًا في آسيا، إلى توسيع تشغيل محطات الفحم أو تخفيف القيود المفروضة عليها، في محاولة لتأمين الكهرباء واحتواء كلفة الوقود، في ظل اضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة.
وتقول الوكالة الدولية للطاقة، إنّ الأزمة التي بدأت في 28 فبراير 2026، أحدثت واحدة من أكبر صدمات الإمدادات في السوق النفطية الحديثة، مع تعطل واسع في التدفقات عبر مضيق هرمز، وارتفاع حاد في مخاطر النقل والتأمين والشحن، وهو ما دفع خام برنت خلال ذروة الأزمة إلى الاقتراب من 120 دولارًا للبرميل، قبل أن يهدأ لاحقًا مع تدخلات طارئة وطرح 400 مليون برميل من المخزونات الإستراتيجية.
وفي قراءة أولية لهذا التحول، قال الخبير الاقتصادي وليد جاب الله في حديثه لـ"المشهد"، إنّ بعض الدول قد تتجه خلال الفترة المقبلة إلى تخفيف القيود على استخدام الفحم، لمواجهة نقص الطاقة وارتفاع أسعارها، مشيرًا إلى أنّ اليابان بدأت بالفعل هذا المسار.
وقال خبير الاقتصاد وأسواق المال مصطفى أحمد، في حديثه لمنصة "المشهد"، إنّ استمرار اضطراب الإمدادات، قد يدفع دولًا ومؤسسات ومصانع إلى البحث عن بدائل سريعة، معتبرًا أنّ التحرك الياباني يمثل نموذجًا مبكّرًا لهذا الاتجاه.
أمن الطاقة
توضح الوكالة الدولية للطاقة أنّ المشكلة لم تكن في تراجع الإنتاج وحده، بل في صعوبة وصول الإمدادات إلى الأسواق، بعدما أدى تعطل المرور عبر مضيق هرمز، وارتفاع أقساط التأمين وتزايد مخاطر الملاحة، إلى تحويل الأزمة من أزمة إنتاج إلى أزمة وصول فعلي.
وفي هذا السياق، عاد الفحم إلى الواجهة كوقود أقل تعرضًا لمخاطر الشحن الفوري في الدول التي تملك بنية تحتية جاهزة لاستخدامه.
وبحسب تقارير إخبارية نقلتها رويترز، فإنّ أزمة الغاز الطبيعي المسال في آسيا، دفعت عددًا من الحكومات ومرافق الكهرباء إلى زيادة تشغيل الفحم، بدلًا من الاعتماد الكامل على الوقود المستورد الأعلى كلفة والأكثر حساسية للمخاطر الجيوسياسية.
ووفق "الطاقة الدولية"، فإنّ ما يحدث لا يرقى حتى الآن إلى موجة بناء محطات جديدة، بل يتمثل أساسًا في رفع تشغيل المحطات القائمة، وتعليق بعض القيود التشغيلية موقتًا.
ويرى وليد جاب الله أنّ هذا التوجه لا ينفصل عن تحولات أوسع في سياسات الطاقة عالميًا، مشيرًا إلى أنّ بعض الدول باتت تعيد النظر في مزيج الطاقة لديها، تحت ضغط الأسعار وأمن الإمدادات.
ويقول مصطفى أحمد، إنّ الأزمة الحالية فرضت على الحكومات والمؤسسات أولوية البحث عن بدائل تشغيلية مرنة، أكثر من التمسك الصارم بالمسارات التقليدية للطاقة.
اليابان وآسيا في صدارة العودة إلى الفحم
في اليابان، اتجهت الحكومة إلى تعليق سقف التشغيل المفروض على بعض محطات الفحم منخفضة الكفاءة لمدة عام يبدأ في أول أبريل، بما قد يوفر نحو 0.5 مليون طن سنويًا من الغاز الطبيعي المسال.
ويعكس هذا القرار، بحسب القراءة الاقتصادية للتطورات، أنّ الفحم عاد كخيار اضطراري لتخفيف الضغوط لا كبديل إستراتيجي دائم.
وفي كوريا الجنوبية، أفادت رويترز، بأنّ الحكومة رفعت سقوف تشغيل الفحم، وزادت الاعتماد على الطاقة النووية ضمن حزمة طوارئ، لمواجهة صدمة الأسعار وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال والنفط.
أما في الهند، فإنّ السلطات كثفت تشغيل الفحم لمواجهة ذروة الطلب الصيفي، مع تشغيل محطة "مندرا" التابعة لشركة Tata Power بكامل طاقتها خلال الفترة من أبريل إلى يونيو.
ويمتد هذا المسار إلى الفلبين وبنغلاديش وباكستان وفيتنام وتايلاند، حيث أظهرت تغطية رويترز، زيادة في تشغيل الفحم أو في السعي إلى تأمين إمداداته للحفاظ على كميات الغاز الطبيعي المسال، وتقليل استهلاكه في قطاع الكهرباء. وفي الفلبين تحديدًا، رافق هذا التحرك تدخل رسمي في سوق الكهرباء مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال.
ويقول وليد جاب الله، إنّ الدول التي لا تزال تحتفظ بمحطات كهرباء عاملة بالفحم، أو لديها القدرة على إعادة تشغيلها، قد تلجأ إلى هذا الخيار لتخفيف حدة الأزمة.
ويضيف مصطفى أحمد، أنّ إطالة أمد الاضطراب، قد تدفع عددًا أكبر من الدول إلى الاعتماد على الفحم كبديل موقت، كلما اتسعت الفجوة بين المتاح من الغاز والبترول وبين الاحتياجات الفعلية للكهرباء والإنتاج.
الفحم يتحرك صعودا
بحسب الوكالة الدولية للطاقة، فإنّ قفزة النفط الأخيرة لم تكن نتيجة نقص الإنتاج فقط، بل نتيجة مباشرة لأنّ الشحن نفسه أصبح أكثر صعوبة، فمع تعرّض منشآت الطاقة والممرات البحرية لمخاطر أعلى، ارتفعت تكلفة التأمين وتباطأ مرور الناقلات، ما دفع السوق إلى تسعير علاوة مخاطر كبيرة على الخام والغاز.
وعلى مستوى الفحم، تُظهر بيانات FRED التابعة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، نقلًا عن صندوق النقد الدولي، أنّ أسعار الفحم الحراري الأسترالي كانت قد تراجعت خلال 2025، قبل أن تبدأ في التعافي مطلع 2026، ثم تسارع الصعود مع تفاقم الحرب، فيما أظهرت تغطية مستندة إلى بلومبرغ، أنّ عقود الفحم في نيوكاسل ارتفعت إلى أعلى مستوى منذ نوفمبر 2024، مع اقترابها من 150 دولارًا للطن في إحدى جلسات مارس.
ويقول مصطفى أحمد إنّ السوق لم تصل بعد إلى مرحلة تعكس طلبًا استثنائيًا عالميًا ضخمًا على الفحم، وهو ما يعني أنّ التحول الجماعي إليه لا يزال محدودًا حتى الآن.
في المقابل، يرى وليد جاب الله أنّ أيّ توسع في استخدام الفحم، سيقود بطبيعته إلى ارتفاع أسعاره، خصوصًا بالنسبة للدول المستوردة التي ستتحمل تكاليف إضافية في الشراء والنقل والتشغيل.
خيار موقت
في أوروبا، عاد الفحم أيضًا إلى حسابات الطوارئ. فقد أبقت إيطاليا خيار إعادة تشغيل بعض محطات الفحم قائمًا إذا تفاقمت الأزمة، بينما برزت في ألمانيا مناقشات تتعلق بإعادة بعض المحطات إلى الخدمة إذا طال أمد قفزة الأسعار.
ويعكس ذلك أنّ أمن الطاقة عاد ليتقدم على أولويات خفض الانبعاثات، في لحظة تتسم بقدر عال من الضبابية في أسواق الوقود.
وتقول الوكالة الدولية للطاقة في تقرير "Coal 2025"، إنّ الطلب العالمي على الفحم كان يتجه إلى مستوى قياسي قرب 8.85 مليار طن في 2025، لكنه ما زال في السيناريو الأساسي أقرب إلى الاستقرار أو التراجع الطفيف حتى 2030، مع بقاء آسيا الأكثر حساسية للصدمات.
وبمعنى آخر، فإنّ الحرب رفعت الطلب الهامشي على الفحم وأسعاره، لكنها لم تحول السوق بعد إلى دورة صعود هيكلية شاملة.
ويحذر مصطفى أحمد، من أنّ التوسع في استخدام الفحم قد يخلق مشكلتين رئيسيتين، الأولى تتعلق بارتفاع أسعاره عالميا مع زيادة الاعتماد عليه، والثانية ترتبط بتراجع الالتزام بالمعايير البيئية والصحية، إذا اضطرت الحكومات إلى تقديم أمن الطاقة على الاعتبارات المناخية.
ويضيف أنّ بعض الصناعات في مصر، وعلى رأسها الأسمنت، تعتمد على الفحم بدرجة أكبر من الغاز بسبب ارتفاع تكلفة الغاز، ما يعني أنّ أيّ زيادة عالمية في أسعار الفحم، ستنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج.
ويشدد وليد جاب الله على أنّ الفحم لا يمكن أن يكون بديلًا كاملًا للنفط أو الغاز، بل يمثل أداة موقتة لتخفيف آثار الأزمة في الدول التي لا تزال تمتلك محطات عاملة به أو قادرة على إعادة تشغيلها.
(المشهد)