تتزايد المخاوف في أسواق الطاقة العالمية من استمرار تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لفترة أطول من المتوقع، حتى في حال التوصل إلى اتفاق الطرفين خلال الفترة المقبلة، وسط تحذيرات من أنّ أزمة النفط والغاز لن تنتهي سريعًا، وأنّ آثارها قد تمتد إلى العام المقبل.
أزمة طاقة ممتدة
ويرى محللون وخبراء طاقة أنّ الاضطرابات الحالية لم تعد مرتبطة فقط بسير العمليات العسكرية، بل أصبحت أزمة هيكلية تمس تدفقات الإمدادات، ومستويات المخزون، وقدرات الإنتاج في منطقة الخليج، خصوصًا مع استمرار القيود المفروضة على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا رئيسيًا لنقل النفط والغاز عالميًا وفق مقال فورين بوليسي.
وتشير التقديرات إلى أنّ أسواق الطاقة فقدت كميات ضخمة من الإمدادات خلال الأشهر الماضية، في وقت تواجه فيه الدول المنتجة صعوبات كبيرة في استعادة مستويات الإنتاج والشحن لما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، الأمر الذي يدفع أسعار النفط والغاز إلى مواصلة الارتفاع خلال موسم الصيف، رغم توقعات سابقة بانخفاضها مع اقتراب أيّ تسوية سياسية.
وقال ماثيو ريد، نائب رئيس شركة "فورين ريبورتس" المتخصصة في استشارات الطاقة بالشرق الأوسط، إنّ إعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة قد تستغرق أشهرًا عدة حتى في أفضل السيناريوهات، موضحًا أنّ أيّ اتفاق موقت قد يسمح بزيادة محدودة في تدفقات الصادرات، لكنه لن يزيل القيود المفروضة على حركة الطاقة عبر المضيق في المدى القريب.
وأضاف أنّ العالم سيضطر خلال هذه المرحلة إلى الاعتماد على المخزونات المتاحة، والتي تتراجع بوتيرة سريعة، ما سيبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة.
عقبات إعادة التوازن في الأسواق
وتتمثل إحدى أكبر العقبات أمام استعادة الاستقرار في مستقبل إدارة مضيق هرمز، حيث تتمسك إيران بفرض نظام مختلف عن السابق يتضمن مستويات من الرقابة والسيطرة على حركة السفن، بما في ذلك رسوم عبور وممرات مخصصة لبعض الناقلات، في حين تضغط الولايات المتحدة لإعادة المضيق إلى وضعه الحر بالكامل.
غير أنّ العديد من الخبراء يرون أنّ العودة إلى النظام السابق تبدو صعبة، خصوصًا بعدما أدركت طهران أهمية المضيق كورقة ضغط اقتصادية وسيادية.
ويحذر محللون من أنّ أيّ نظام جديد يتضمن معاملة غير متساوية للسفن أو فرض رسوم إضافية سيدفع بعض كبار المنتجين إلى تقليص كميات النفط والغاز التي يتم شحنها عبر المضيق.
وفي هذا السياق، توقع معهد أكسفورد لدراسات الطاقة أن تصبح التدفقات التجارية أكثر تقلبًا خلال المرحلة المقبلة، بما يزيد من حدة اضطرابات أسواق النفط العالمية. كما أشار مسؤولون في قطاع الطاقة الإماراتي إلى أنّ العودة الكاملة لحركة الملاحة الطبيعية عبر المضيق قد لا تتحقق قبل الربع الأول من عام 2027.
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع استمرار المخاطر الأمنية داخل المضيق، في ظل عدم وضوح حجم الألغام البحرية التي زرعتها إيران خلال فترة الحرب، فضلًا عن المخاوف من استمرار استهداف السفن العابرة خارج النظام الذي تسعى طهران إلى فرضه.
تكاليف التأمين البحري
وأدت هذه المخاطر إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري وأسعار الشحن، إلى جانب تردد العديد من شركات النقل في استئناف عملياتها بشكل كامل عبر المضيق، وهو ما يضيف ضغوطًا إضافية على حركة التجارة والطاقة عالميًا.
وعلى مستوى الإنتاج، تشير التقديرات إلى توقف نحو 13 مليون برميل يوميًا من النفط خلال الحرب، مع إغلاق عدد كبير من منافذ التصدير. ورغم إمكانية استعادة جزء من هذه القدرات تدريجيًا، فإنّ المخاوف تتزايد من حدوث أضرار طويلة الأجل في بعض الحقول والخزانات النفطية، خصوصًا في العراق والكويت، إلى جانب الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية النفطية والغازية.
وتقدّر بعض التقارير حجم الخسائر التي تعرضت لها منشآت الطاقة بنحو 50 مليار دولار، ما يعني أنّ إعادة الإعمار واستعادة مستويات الإنتاج السابقة قد تستغرق أشهرًا عدة وربما سنوات.
وفي الوقت نفسه، بدأت دول خليجية دراسة خطط طويلة الأجل لإنشاء مسارات بديلة لتصدير النفط بعيدًا عن الخليج العربي، لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز وتفادي تكرار الأزمة مستقبلًا، إلا أنّ تنفيذ مثل هذه المشروعات يتطلب استثمارات ضخمة وفترات زمنية طويلة.
ضغوط أخرى على الأسواق
كما يواجه السوق العالمي تحديًا إضافيًا يتمثل في تراجع "ممتصات الصدمات" التقليدية، سواء عبر الطاقة الإنتاجية الفائضة أو المخزونات التجارية، بعدما تم استنزاف جزء كبير منها خلال أشهر الحرب.
ويقدّر خبراء أنّ الأسواق فقدت ما لا يقل عن مليار برميل من الإمدادات التراكمية منذ اندلاع الصراع، ما يجعل أيّ تعافٍ سريع في الأسعار أو الإمدادات أمرًا غير مرجح، حتى بعد انتهاء الأعمال العدائية.
وبحسب تقديرات شركات استشارات الطاقة، فإنّ إزالة الألغام، وإعادة تشغيل الحقول، واستعادة المخزونات، وإصلاح المنشآت المتضررة، كلها عمليات قد تمتد من أشهر عدة إلى سنوات، وهو ما يعني أنّ أزمة الطاقة العالمية مرشحة لترك آثار طويلة الأمد على أسواق النفط والغاز والمنتجات المكررة خلال المرحلة المقبلة.
(ترجمات)