تداعيات الحرب خلال هذا الشهر طالت عددا من القطاعات لعل أبرزها، عملات الأسواق الناشئة التي فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها، كما ارتفع مؤشر الدولار 1.6% وهو ما جعل الذهب والفضة ومعادن أخرى أكثر كلفة مما ساهم في هبوطها، حيث فقد الذهب أكثر من 16% وهبطت الفضة نحو 28%، كما تبددت آمال خفض الفائدة، وزادت توقعات ارتفاع التضخم، وتعالت الأصوات المحذرة من ركود عالمي.
ومع مرور شهر على اندلاع الحرب، وظهور بعض المؤشرات على حوار قد ينهي تداعيات هذا الصراع، ماذا يمكن أن يحدث اقتصاديا إذا توقفت هذه الحرب؟، وهل ستعود الأمور إلى سابق عهدها في الأسواق خصوصا أسعار النفط والأسمدة وتكاليف الشحن ومستويات حركة العملات؟
ويبدو أن هناك شبه توافق جماعي للخبراء والمحللين المهتمين بالشأن الاقتصادي وشأن أسواق التداول، على أن نهاية سريعة للصراع الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، ستؤدي إلى انخفاض حاد في أسعار النفط العالمية، مما يخفف من الضغوط التضخمية، ويدعم النمو الاقتصادي.
النفط سيهبط بين 60 و80 دولارًا
يتوقع المحللون، أن ينخفض سعر برنت لكن إلى حد؟، هذا كان نقطة خلافية بين 3 من الخبراء تحدثت إليهم منصة "المشهد"، في حين أجمع الخبراء، على أن هبوط النفط إلى أي نقطة سواء بين 60 و80 دولارًا سيخلق حالة من التعافي لعدد من المؤشرات، ويغير توقعات التضخم وقد نجد تعديلات على توقعات أسعار الفائدة عالميًا.
الدكتور أحمد معطي الخبير الاقتصادي، يقول إن "انتهاء الحرب في إيران من شأنه أن يُحدث تحولات واسعة في الاقتصاد العالمي، خصوصا فيما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة الاستثمارات.
وأوضح "معطي" أن عددًا من النقاط يجب أن يتم النظر إليها عند مناقشة ما بعد توقف الحرب في الشرق الأوسط ومنها:
- الانعكاسات المباشرة ستكون على أسعار الطاقة وخام برنت والغاز المسال.
- من المتوقع أن تتراجع أسعار النفط لتتراوح بين 70 و80 دولارًا للبرميل في وقت سريع بحسب قوله، وربما أقل من ذلك.
- تراجع النفط سينعكس على انخفاض أسعار الوقود عالميًا خصوصا في الأسواق المستوردة.
- يخفف هبوط النفط من الضغوط التضخمية على الاقتصادات المختلفة.
تحسن سلاسل التوريد
وأشار إلى أن استقرار الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط سيؤدي إلى تحسن سلاسل التوريد العالمية، مع عودة تدفق السلع بشكل طبيعي عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة في العالم والذي يساهم في مرور 20% من النفط والغاز المسال للعالم.
وأضاف، أن "قطاع الأسمدة سيشهد تراجعا في الأسعار، خصوصا اليوريا التي تمثل دول الخليج نسبة تتراوح بين 20% و30% من إنتاجها العالمي بحسب قوله، ما سينعكس إيجابًا على انخفاض تكلفة الإنتاج الزراعي، وبالتالي أسعار السلع الغذائية عالميًا.
وفيما يتعلق بالقطاع الصناعي، أكد الخبير الاقتصادي، أن "أسعار الألمنيوم ستتجه للانخفاض بعد موجة الارتفاع التي شهدتها خلال فترة الحرب، نظرًا لكون دول الخليج من كبار المنتجين عالميًا، إلى جانب تراجع أسعار البلاستيك المرتبطة بالطاقة".
تراجع تكاليف الطيران
كما توقع معطي تحسنًا ملحوظًا في قطاع السياحة عالميًا وفي الشرق الأوسط مثل تركيا ومصر، مدفوعًا بانخفاض تكاليف وقود الطيران، مما يسهم في خفض أسعار السفر وزيادة حركة السياحة الدولية.
وعلى صعيد الأسواق المالية، أشار إلى أن انتهاء الحرب سيؤدي إلى عودة التدفقات الاستثمارية و"الأموال الساخنة" إلى الأسواق الناشئة، التي تأثرت سلبًا خلال فترة التوترات، وفي مقدمتها السوق المصرية.
عودة النشاط الإنتاجي
وذهب الدكتور أيمن حسن المحلل والخبير الاقتصادي ورئيس قطاع التمويل في أحد البنوك، إلى أن تطورات وقف الحرب وما يتبعها من هبوط للنفط، قد يدعم القوة الشرائية للمواطنين وتُعيد النشاط إلى مختلف القطاعات الإنتاجية، بما يساهم في خفض معدلات البطالة وتحفيز النمو الاقتصادي.
وشدد على أن عودة الاستقرار يدفع نحو زيادة الاستثمارات في قطاعات متعددة، وعلى رأسها القطاع العقاري، باعتبارها سوقًا آمنة ومستقرة في بيئة إقليمية مضطربة.
وتطرق إلى أن الهبوط في النفط لنحو 65 دولاراً للبرميل بحلول نهاية عام 2026 إذا انتهى الصراع، وقد يدفع استمرار الحرب الأسعار إلى ما فوق 130 دولارًا للبرميل مقارنة بمستويات ما قبل الحرب قرب 70-72 دولاراً.
تقديرات سعر برميل النفط
وتقدر كابيتال إيكونوميكس، انخفاض النفط لنحو 65 دولاراً، بينما ترى غولدمان ساكس، إزالة علاوة مخاطر تبلغ نحو 14 دولاراً للبرميل مضمنة في العقود الآجلة، مما قد يدفع الأسعار نحو منتصف السبعينيات أو حتى 65-70 دولاراً بمجرد اكتمال تقييم الأضرار وإعادة بناء المخزونات العالمية.
ويتوافق جي بي مورغان وبنك أوف أميركا على انخفاض إلى 60-80 دولاراً خلال أشهر في سيناريو الحل الأساسي، مقارنة بمستويات مستدامة فوق 120-150 دولاراً إذا طال أمد الصراع.
يمكن أن تضيف إنتاج النفط الإيراني، الذي بلغ متوسطه 3.2-3.4 ملايين برميل يومياً قبل الحرب مع صادرات حوالي 1.4 مليون برميل يومياً معظمها إلى الصين، ما بين 0.5-1 مليون برميل يومياً أو أكثر إلى المعروض العالمي في ظل تخفيف العقوبات، وفقا لبيانات وكالة الطاقة، ويرتبط كل مليون برميل إضافي يومياً بانخفاض يقارب 13% في الأسعار العالمية.
إشارات النمو الاقتصادي العالمي
وبشأن إشارات النمو الاقتصادي، ترى الباحثة بمركز العاصمة للدراسات الاقتصادية فاطيمة طيبي، أن الصراع خفض نحو 0.3 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بينما ساهم الصراع الحالي في إضافة 0.5-0.6 نقطة إلى التضخم العام، وفق تقديرات منظمة التجارة العالمية.
وأضافت طيبي، أن رفع مخاطر الركود العالمي ستعكس نهاية سريعة لمعظم التأثيرات السلبية بالنسبة للاقتصادات، حيث تستفيد الدول المستوردة للطاقة في أوروبا وآسيا من انخفاض التكاليف الذي يعزز الإنفاق الاستهلاكي وهوامش الشركات.
وأشارت إلى ارتفاع احتمالات الركود بنسبة 30-35% وتأخير تخفيضات أسعار الفائدة وسط صدمة الطاقة؛ وستقلل نهاية الصراع من هذه المخاطر، وتمهد الطريق لتيسير نقدي أبكر من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي.
وتطرقت إلى أن وقف الصراع في الشرق الأوسط، قد يساهم في عودة أنظمة الدفع الإقليمية وأقساط التأمين وتمويل التجارة، التي تعرضت للضغط بسبب إعلانات القوة القاهرة، إلى طبيعتها بسرعة، مع احتمال قيام الولايات المتحدة بتخفيف جزئي للعقوبات على الصادرات النفطية الإيرانية مما يتيح إعادة دمج أكبر للصادرات عبر القنوات المصرفية التقليدية.
الأصول الرقمية
أما أسواق العملات المشفرة، التي أظهرت مرونة خلال الصراع حيث ارتفع بيتكوين إلى نطاق 69,000-71,000 دولار إلى جانب الأسهم مع إشارات الهدنة، فمن المرجح أن تستفيد من بيئة أوسع للمخاطرة وفق الباحثة فاطيمة طيبي.
ويدعم انخفاض التضخم الناتج عن تحرك النفط والتيسير الأسرع للسيولة العالمية، الاتجاه نحو الأصول الرقمية ويدفع العملات المشفرة للصعود التدريجي، في حين قد يرتفع الذهب سريعا مع عودة آمال خفض الفائدة الأميركية وإمكانية تراجع عائد السندات خصوصا آجال 10 سنوات، بحسب رسالة مقتضبة من طاهر المرسي محلل سوق المعادن.
(المشهد)