هل يتحمّل الاقتصاد الإسرائيليّ حربا طويلة الأمد؟

شاركنا:
وكالات التصنيف الائتماني تمهّد لاحتمالية خفض تصنيف اقتصاد إسرائيل بسبب الحرب (أ ف ب)
هايلايت
  • "كابيتال إيكونومكس": التأثير في الاقتصاد الإسرائيليّ سوف يعتمد على طول ومدى الصّراع.
  • خبراء يتّفقون على أنّ اقتصاد إسرائيل لن يكون قادرًا على تحمّل تكلفة إطالة أمد الحرب.
  • محلّل: اقتصاد إسرائيل تضرّر بشدّة وقد يتوسّع هذا التأثير إلى الخارج ويؤثّر في أسواق الطّاقة.

مع إعلان الحكومة الإسرائيلية حالة الحرب في البلاد على خلفية هجوم حركة "حماس" المباغت قبل أكثر من أسبوعين، أدرك الخبراء الاقتصاديون أنّ ما يحدث لا يشبه أيًا من الحروب التي خاضتها إسرائيل على مدار 50 عامًا، حيث لم يتأثّر الاقتصاد بشكل كبير خلال الصراعات السابقة بل على العكس كان يزدهر.

ويبدو أنّ هذه الحرب سيكون لها تأثير اقتصاديّ مختلّف كما هو الحال سياسيًا، فعلى الرّغم من دخول اقتصاد إسرائيل هذه الحرب في وضع أقوى نوعًا ما عن الحروب السابقة، إلّا أنّ المخاطر المحيطة به تتزايد مع استمرار الصّراع واحتمالية توسّع رقعته بمنطقة الشرق الأوسط، بحسب ما يؤكّد خبراء ومحلّلون اقتصاديون تحدّثوا مع منصّة "المشهد".

ضربة كبيرة لاقتصاد إسرائيل

وخلال الأيام الماضية، بات الاقتصاد الإسرائيليّ الذي بلغ حجمه نحو 522 مليار دولار خلال عام 2022، يواجه خطر خفض التصنيف السيادي، وهو الأمر الذي يقوّض جاذبيّته للمستثمرين والاستثمارات، إذ أعلنت وكالتا موديز وفيتش للتصنيفات الائتمانية، أنهما وضعتا قيد المراجعة تصنيف الدّيون السياديّة الإسرائيليّة الطويلة الأجل، تمهيدًا لاحتمال خفضه بسبب الحرب الدائرة.

وأرجعت وكالتا التصنيفات الائتمانية قرارهما، إلى تزايد خطر اتّساع النزاع الحاليّ في إسرائيل، ليشمل اشتباكات عسكرية واسعة مع جهات فاعلة إقليميّة، لفترة طويلة".

ويتّفق مع هذا أيضًا محلّل الأسواق الناشئة لدى مؤسسة "كابيتال إيكونومكس" للأبحاث نيكولاس فار، والذي يقول في مذكّرة بحثية نُشرت قبل أيام، إنّ التأثير على الاقتصاد الإسرائيليّ سوف يعتمد على طول ومدى أيّ صراع، مشيرا إلى أنه رغم استعادة السيطرة على بلدات منطقة غلاف غزّة، إلّا أنّ النشاط التجاريّ لا يزال معطّلًا، كما أنّ العديد من شركات الطيران ألغت رحلاتها.

ووصفت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية هذا الأسبوع في تقرير لها، المدن الإسرائيليّة بـ"مدن الأشباح"، حيث أشارت إلى انهيار المتاجر والشركات وإلغاء الرحلات السياحية لمدة تصل إلى عامَين، كما أصبحت الشوارع شبه خاوية بفعل استدعاء أكثر من 360 ألف جنديّ من الاحتياط.

ويعادل تعبئة 360 ألف جندي احتياطيّ في إسرائيل نسبة 8% من العمالة في البلاد، بحسب محلّل الأسواق الناشئة لدى مؤسسة "كابيتال إيكونومكس"، والذي يقول إنّ "بعض هؤلاء الاحتياطيّين هم إسرائيليون عائدون من الخارج، لكنّ غالبيّتهم كانوا موجودين بالفعل في إسرائيل وقت الحرب".

ويعتبر الخبراء الاقتصاديون الذين تحدّثوا مع قناة ومنصّة "المشهد"، أنّ الاقتصاد الإسرائيليّ تعرّض لضربة كبيرة منذ اندلاع الحرب، إذ يقول المحلّل الاقتصاديّ زياد نصر الدين، إنّ "الاقتصاد الإسرائيليّ يواجه نكبة جديدة من نوعها لم تكن موجودة في السابق".

ويضيف نصر الدين: "الشيكل تراجع بشكل كبير أمام الدولار، رغم محاولة البنك المركزي لدعمه. وهناك خسائر كبيرة في بورصة تل أبيب التي تراجعت بنسبة 8% خلال أسبوعَين. والتصنيف الائتمانيّ بات مهددًا بالتخفيض، هذا إلى جانب ارتفاع كبيرة في الفائدة على أدوات الدَين الحكومية، وبيع سندات بخسائر تقدّر بنحو 2.8 مليار دولار".

وانخفض سعر صرف الشيكل أمام العملة الأميركية إلى أكثر من 4 شيكلات مقابل الدولار، ويحوم بالقرب من أدنى مستوى منذ أكثر من 8 أعوام.

وأخذ المحلّل الاقتصادي زياد نصر الدين في استعراض خسائر الاقتصاد الإسرائيليّ خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، قائلًا: "الخسائر المباشرة وصلت إلى 2.5 مليار دولار. كما هناك خسائر في قطاعات الاقتصاد المختلفة، فمثلًا قطاع الطيران والسفر يخسر 100 مليون دولار يوميًا. ويخسر قطاع السياحة ما يقرب من 98 مليون دولار يوميًا. كما أنّ هناك نسبة كبيرة من المصانع متوقّفة، وخسائر كبيرة بسبب تغيّب الموظفين عن العمل".

وتابع نصر الدين: "كل هذا إلى جانب استهداف منطقة غوش دان وهي درّة التاج الاقتصادي، نظرًا لاحتوائها على الصناعات التكنولوجية المتطوّرة، والتي أظهرت ضعفًا كبيرا، وهذا انعكس على المبيعات والصفقات الخارجيّة المتعلقة بالتقنيات".

بدوره، قدّر أستاذ الاقتصاد وإدارة الأزمات والمخاطر في جامعة كارديف اليونانية عبد اللطيف درويش، خسائر الاقتصاد الإسرائيليّ منذ اندلاع الحرب، بنحو 10 مليارات دولار، مشيرًا إلى أنّ القطاعات الخدَمية التي تمثّل النسبة الأكبر من الاقتصاد، تضرّرت بشدة وفي مقدّمتها القطاع السياحي.

ويضيف درويش خلال حديثه مع قناة ومنصّة "المشهد": "استدعاء جنود الاحتياط يعني أخذ نسبة من الناتج الاقتصاديّ. إسرائيل قامت بتعطيل جزء كبير من المصانع والمزارع ومختلف القطاعات التصديرية. كما الأمر مع هروب المستثمرين والاستثمارات إلى خارج البلاد. إسرائيل أمام كارثة اقتصادية".

هل الاقتصاد الإسرائيلي قادر على الصمود إذا طال أمد الحرب؟

تسارعت وتيرة خروج المستثمرين من الصناديق المتداوّلة في البورصة التي تتبع الأسهم الإسرائيلية في الأسبوعَين الماضيَين في أعقاب انخفاض حادّ في أسعار الأسهم في ظل اتّساع نطاق الصّراع بين إسرائيل وحركة "حماس" إلى جبهات أخرى.

وقال الرئيس التنفيذيّ لشركة ماركت "فيكتور أنديكسيز" ستيفن شونفيلد، والذي أنشأ مؤشر صندوق "بلوستار إزرائيل تكنولوجي" البالغ قيمته 78.4 مليون دولار، إنّ أداء صناديق الاستثمار المتداوَلة في إسرائيل، كان أقلّ من معظم نظيراتها قبل هجوم "حماس". لكنّ الأداء تدهور مذّاك، بسبب انخفاض سوق الأسهم والانخفاض الكبير في قيمة الشيكل الإسرائيليّ في الأسابيع الماضية".

وتعتبر وكالة التصنيفات الائتمانية "موديز" في تقريرها المنشور هذا الأسبوع، أنّ الملف الائتمانيّ الإسرائيليّ أثبت قدرته على الصمود في وجه الصراع العسكريّ في الماضي، "إلا أنّ شدّة الصراع العسكريّ الحالي، تثير احتمال حدوث تأثير ائتمانيّ طويل الأمد".

بدوره، كتب محلّل الأسواق الناشئة لدى مؤسسة "كابيتال إيكونومكس" نيكولاس فار في مذكرته البحثية، "أنّ الاقتصاد الإسرائيليّ أثبت مرونته في مواجهة الصراعات في الماضي، وتمكّن من التكيّف مع مرور الوقت، الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى الحدّ من التأثير المباشر على الاقتصاد. لكنّ الحرب الأكبر حجمًا والأطول أمدًا هذه المرة، تهدّد بتأثيرات أكبر على سوق العمل والاقتصاد".

وقال نيكولاس فار إنّ الصراعات في السابق لم تمنع تدفّقات الاستثمار الأجنبيّ المباشر إلى إسرائيل، "حيث لطالما تمتّعت بقطاع تكنولوجيّ ودفاعيّ مزدهر، وقد أظهرت قدرتها على التكيّف والابتكار. لكن من المرجح أنّ الثقة في الأجهزة الأمنية في البلاد قد تعرّضت لضربة قويّة، وقد يزيد الشرق الأوسط الأكثر اضطرابًا من المخاطر المتصورة للاستثمار في إسرائيل".

ويتفق المحلّل الاقتصاديّ زياد نصر الدين مع ما جاء في المذكّرة البحثية لـ "كابيتال إيكونومكس"، قائلًا إنّ هذا الاقتصاد تعرّض لضرر كبير، وقد لا يستمر هذا الضرر داخليًا بل سيتوسّع إلى الخارج وينعكس على أسعار الغاز والنّفط.

وأضاف: "هذه الأضرار الاقتصادية لم تكن تحدث سابقًا إلا (طوفان الأقصى) ونتائجه في غلاف غزّة. والخسائر والتكاليف الكبيرة، جعلت هذا أمرًا لافتًا، حيث في 3 أسابيع بدأ الاقتصاد يعاني، وسعت البلاد لمساعدات كبيرة من الولايات المتّحدة لإنقاذه".

ويقول أستاذ الاقتصاد وإدارة الأزمات والمخاطر في جامعة كارديف اليونانية عبد اللطيف درويش، إنّ الاقتصاد تضرّر بشكل كبير حاليًا، وأنّ إطالة أمد الحرب سيكون له تداعيات كارثية على اقتصاد إسرائيل.

ويضيف درويش: "المساعدات الغربية لن تستمر طويلًا بطبيعة الحال، فإسرائيل بعد أسبوع احتاجت إلى الأساطيل الأميركية للوقوف إلى جانبها ودعمها. وبالتالي أعتقد أنها لا تستطيع أن تصمد اقتصاديًا في حرب طويلة الأمد".

وخلال الـ 5 عقود الماضية لم تستمر حروب إسرائيل أكثر من 3 أشهر، وكانت أطولها من حيث المدة، حرب لبنان عام 1982 والتي استمرّت 68 يومًا.

(المشهد)