حرب إيران تعيد رسم خريطة الطاقة والتجارة في العالم

آخر تحديث:

شاركنا:
الصين تبدو الفائز الوحيد (رويترز)
هايلايت
  • إطار الاتفاق الأميركي الإيراني لن يعيد الاقتصاد العالمي إلى ما كان عليه قبل الحرب.
  • الصين تبدو أكبر المستفيدين من سباق تنويع الطاقة.
  • الحرب تعيد تشكيل نظام الطاقة العالمي.

يمهد إطار الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء موجات العنف وتعطل إمدادات الطاقة والتجارة في الخليج، لكنه لا يعني أن اقتصادات العالم ستعود ببساطة إلى المسار الذي كانت عليه قبل بدء القصف الأميركي والإسرائيلي لإيران في 28 فبراير.

فقد أطلقت الحرب سلسلة من التحولات العميقة في الطاقة والتجارة والتحالفات الاقتصادية، وهي تغييرات سيكون من الصعب عكسها سريعًا، حتى إذا توقفت العمليات العسكرية وبدأت حركة التجارة في التعافي.

حرب إيران تعيد تشكيل نظام الطاقة العالمي

أدى شبه توقف إمدادات النفط والغاز القادمة من الشرق الأوسط، إلى جانب القفزة الكبيرة في الأسعار، إلى تغيير موازين القوة في سوق الطاقة العالمية.

وبات المنتجون من الخليج إلى الأميركيتين يسعون إلى الحفاظ على نفوذهم أو زيادته، بينما يحاول المستوردون تقليل اعتمادهم على مصادر محددة وتعزيز أمن إمداداتهم.

وبذلك لم تعد الأزمة مجرد اضطراب مؤقت في الإمدادات، بل تحولت إلى نقطة تغيير في سوق الطاقة، ومزيج الطاقة، وأدوار اللاعبين الرئيسيين داخل القطاع.

الدول المستوردة تبحث عن بدائل للطاقة

كشفت الحرب هشاشة الدول المعتمدة على واردات الطاقة في آسيا وأوروبا ومناطق أخرى، ما سرّع البحث عن بدائل أكثر أمانًا واستقرارًا.

وفي بعض الدول، مثل كوريا الجنوبية واليابان، أدى الضغط على الإمدادات إلى زيادة استخدام أنواع وقود أكثر تلويثًا مثل الفحم، في محاولة لتأمين احتياجات الطاقة على المدى القصير.

لكن على المدى الأطول، قد تسرّع هذه الصدمة، وهي الثانية خلال 4 سنوات فقط، التحول إلى مصادر مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية.

الطاقة المتجددة تكسب زخمًا جديدًا

قال دان والتر من مجموعة أبحاث الطاقة "إمبر" في لندن، إن التحسن في تكنولوجيا البطاريات الكهربائية وكفاءتها يجعل التحول إلى الطاقة النظيفة أكثر قابلية للتنفيذ مقارنة بما كان عليه الوضع عند صدمة الطاقة العالمية التي أعقبت الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022.

وأضاف أن السيارات الكهربائية أصبحت أكثر قدرة على المنافسة من حيث التكلفة في كثير من الأسواق، كما أن طاقة الرياح والطاقة الشمسية ولدتا في أبريل كهرباء على مستوى العالم أكثر من الغاز لأول مرة.

واعتبر والتر أن هذا تحول كبير، موضحًا أن ما كان بالكاد قادرًا على المنافسة قبل 5 سنوات أصبح الآن أرخص بوضوح تقريبًا.

كما أصبحت الاستثمارات في الطاقة المتجددة أكثر جاذبية، إذ قد تحقق عوائد خلال نحو عامين بدلًا من 30 عامًا، وفقًا للتقرير.

روسيا تستفيد من اضطراب الطاقة

عززت الحرب موقع روسيا، ثاني أكبر منتج للنفط الخام والغاز بعد الولايات المتحدة، بطرق عدة.

فقد رفعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤقتًا العقوبات المفروضة على روسيا، ما أتاح لموسكو زيادة أرباحها من صادرات النفط في وقت يعاني فيه اقتصادها.

وفي الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تعمل دول مثل البرازيل وفنزويلا وكولومبيا والأرجنتين وغيانا على بناء قدراتها الإنتاجية من النفط، مع بحث العالم عن موردين بدلاء.

الصين أكبر المستفيدين من التحول

من المتوقع أن يستمر الاتجاه نحو توسيع وتنويع شبكات الطاقة حتى بعد انتهاء الحرب، وتبدو الصين في موقع يؤهلها للاستفادة الأكبر من الطفرة المنتظرة في الطاقة المتجددة.

وتتقدم الصين بفارق واسع في إنتاج توربينات الرياح، وكابلات الجهد العالي، والمحولات، والألواح الشمسية، والبطاريات، وبرمجيات إدارة تدفقات الطاقة، وغيرها من مكونات الشبكات الحديثة.

ويزيد الدور الصيني في تأمين إمدادات الطاقة للدول الأخرى من نفوذ بكين الإستراتيجي وأهميتها العالمية.

وخلص محللون في شركة "وود ماكنزي" إلى أن الصين تبدو فائزًا كاملًا من هذا التحول.

الولايات المتحدة تتراجع في سباق الطاقة النظيفة

في المقابل، فإن دفع إدارة ترامب بقوة لوقف مشروعات الطاقة المتجددة، بل ودفع أموال لبعض الشركات لإلغاء مزارع الرياح، يعني أن الولايات المتحدة تنسحب عمليًا من هذه المنافسة العالمية.

وبحسب المقال، يترك ذلك الأفضلية الصناعية والتكنولوجية لأكبر منافس إستراتيجي لها، وهو الصين.

وتتعزز المكاسب الاقتصادية للصين بمكاسب جيوسياسية أيضًا، إذ عمقت الحرب الفجوة بين الولايات المتحدة وحلفائها القدامى في أوروبا، ما أتاح لبكين فرصة أوسع لتوسيع دورها كقوة دولية مؤثرة.

لم يعد واضحًا ما إذا كانت حركة الشحن ستعود يومًا إلى المرور بحرية كاملة عبر مضيق هرمز، وهو المسار البحري الوحيد لنقل النفط والغاز الطبيعي وسلع أخرى من الخليج.

وتسعى إيران إلى فرض رسوم على السفن التي تمر عبر الممر الضيق، رغم أن هذه الخطة قد تخالف اتفاقات دولية.

وحتى إذا لم تتحول هذه الرسوم إلى نظام رسمي، فقد أظهرت إيران أنها قادرة على تعطيل التجارة متى أرادت، ما يرفع المخاطر والتكاليف.

وقال كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي موريس أوبستفيلد، إنه لا يعتقد أن المضيق سيعود إلى درجة اليقين السابقة بشأن حرية المرور التي اعتادها العالم.

ثقة العالم في واشنطن تتراجع

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن قرار ترامب إشعال الحرب مع إيران، إلى جانب فوضوية صنع القرار، أضعف بدرجة أكبر الثقة في قدرة واشنطن ورغبتها في الحفاظ على النظام العالمي والتجارة الدولية.

وقال أوبستفيلد، إن قدرة الولايات المتحدة كقوة عسكرية ظهرت مرة أخرى باعتبارها محدودة، مضيفًا أن استمرار مقاومة إيران يمثل ضربة كبيرة للثقة العالمية في واشنطن كمزود للأمن.

ولعقود طويلة، كانت إحدى المهام الأساسية للبحرية الأميركية ضمان حرية الملاحة في البحار، بحسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة براون مارك بليث.

لكن نجاح إيران في الاستمرار في تعطيل حركة السفن أظهر أنه رغم القوة الأميركية، فإن واشنطن لا تستطيع ضمان أن تظل البحار مفتوحة وحرة دائمًا.

نمو أبطأ وأسعار أعلى

وضعت الحرب الاقتصاد العالمي على مسار يتسم بنمو أبطأ وأسعار أعلى.

قال كبير الاقتصاديين في البنك الدولي إنديرميت جيل، إن خبراء البنك كانوا يفكرون في رفع توقعاتهم بين يناير وفبراير، لأن المؤشرات كانت تبدو جيدة، مع تراجع التضخم وتحسن النمو وصمود التجارة رغم الضغوط.

لكن هذا المسار تغير الآن، إذ خفض البنك الدولي توقعاته الاقتصادية، وبات يتوقع تراجع النمو العالمي إلى 2.5% هذا العام، مقابل 2.9% في 2025.

وبدأ التضخم يتسارع مجددًا، إذ ارتفع في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي، ليصل إلى معدل سنوي قدره 4.2% في مايو.

وبدلًا من ترقب خفض جديد في الفائدة، أصبحت وول ستريت تتوقع أن يرفع المجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة مرة واحدة على الأقل هذا العام.

وفي الأسبوع الماضي، رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة إلى 2.25%، قائلًا إن الحرب في الشرق الأوسط تولد ضغوطًا تضخمية.

الديون والموازنات تحت ضغط أكبر

تترك أسعار الفائدة المرتفعة آثارًا طويلة الأجل على الدول الغنية والفقيرة، خصوصًا تلك التي راكمت ديونًا عامة ضخمة، وتستخدم جزءًا متزايدًا من إيراداتها لسداد تكاليف الفائدة.

ومن المرجح أن تزداد هذه الضغوط على الموازنات، مع اتجاه الحكومات إلى تقديم دعم للأسر المتضررة من ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الإنفاق العسكري لمواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة.

وقد توجهت اقتصادات آسيوية، وهي الأكثر تضررًا من الأزمة، إلى بنك التنمية الآسيوي بطلبات واسعة للحصول على قروض طارئة، في محاولة لإنقاذ اقتصاداتها ومالياتها من تداعيات حرب إيران.

قال جيل، إن الاقتصاد العالمي سينتهي به الأمر بأن يكون أكثر اضطرابًا وتوترًا، وهو ما لا يخدم التخطيط طويل الأجل أو الاستثمار أو النمو.

وبذلك لا يبدو إطار الاتفاق الأميركي الإيراني نهاية كاملة للأثر الاقتصادي للحرب، بل بداية مرحلة جديدة سيحاول فيها العالم التكيف مع تكلفة أعلى للطاقة، وثقة أقل في الممرات التجارية، ومنافسة أشد على بدائل الإمداد والتكنولوجيا.

(ترجمات)