من جديد عاد ملف الحديث حول منظومة الدعم إلى صدارة المشهد داخل مصر، وخصوصًا مع اتجاه الحكومة خلال الفترة المقبلة إلى إلغاء "الدعم العيني" الذي يقدم للمواطنين من خلال صرف سلع وخدمات بعينها، وتحويله إلى "دعم نقدي" يعتمد على تحديد مخصصات مالية شهرية للمستفيدين.
ملف التحول إلى الدعم النقدي الذي ظل حبيس الأدراج ومحل تردد وتخوف في التعامل معه لعقود طويلة، يبدو أنه وصل إلى محطته الأخيرة، وسيغلق بشكل نهائي، بعد أن كشف رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي، خلال تصريحات له مؤخراً عن أن البدء في تطبيق منظومة الدعم النقدي داخل البلاد ستكون اعتباراً من العام المالي المقبل، والذي سيبدأ في يوليو من العام الحالي، وسرعان ما أثارت هذه التصريحات مخاوف الكثير من المصريين من حرمانهم من الدعم الحكومي الذين يحصلون عليه بشكل شهري.
وأضاف مدبولي في معرض تصريحاته أن النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي، مؤكداً أن الفئات الأكثر احتياجاً ستحصل على أعلى قيمة من الدعم النقدي، في حين تحصل الشرائح الأقل احتياجاً على مبالغ أقل وفق نظام تدريجي يحقق العدالة في التوزيع، مشيراً أن هدف حكومته هو توجيه الجزء الأكبر من الدعم للفئات الأشد احتياجاً، بما يضمن تحقيق أكبر أثر اجتماعي ممكن من الأموال التي تخصصها الدولة لهذا الملف.
ملايين الأسر المصرية خرجت من منظومة الدعم
وحول هذا الملف الذي أصبح حديث المصريين في هذه الآونة، أوضحت الخبيرة الاقتصادية الدكتورة حنان رمسيس في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد": أن الدولة قامت بتنقية برامج الدعم بشكل كبير خلال الفترة الماضية، ونجحت بالفعل في تحقيق وفرة عالية في هذا الأمر، حتى إن هناك ملايين الأسرة المصرية خرجت من منظومة الدعم، بسبب أن الحكومة ارتأت أنهم غير مستحقين في الحصول على الدعم.
وأشارت إلى أن الحكومة في الفترة الحالية تحاول تقليص برامج الدعم من أجل محاولة وصوله إلى مستحقيه، مبينةً في الوقت نفسه أن الحكومة حددت حالات بعينها قد تؤدي إلى وقف أو إلغاء بطاقة التموين حال انطباقها على المستفيدين والتي كان من أبرزها الآتي:
- أصحاب الرواتب المرتفعة التي تتجاوز أجورهم 24 ألف جنيها شهرياً.
- من يمتلك سيارة حديثة بداية من موديل 2017 وما بعدها.
- امتلاك حيازة زراعية تبلغ 10 أفدنة أو أكثر.
- ارتفاع فاتورة الكهرباء المنزلي 1,000 كيلو وات فأكثر شهرياً.
- التعدي على الأراضي الزراعية أو البناء المخالف عليها.
الوقت غير مناسب لتحويل الدعم من عيني إلى نقدي
وطالبت رمسيس الحكومة المصرية بعدم التعجل في التحول من الدعم العيني إلى النقدي، حيث إن هذه الخطوة تتطلب مزيداً من الدراسة والنقاش قبل البدء في تنفيذها لضمان تحقيق الهدف منها، مؤكدةً أن الوقت غير مناسب مطلقاً لتطبيق هذه الخطوة.
وعزت وجهة نظرها في هذا الأمر للعديد من الأسباب والتي من بينها، الارتفاعات الكبيرة الحالية في معدلات التضخم، بالإضافة إلى الانخفاض الحاصل في القيمة الشرائية للنقود، وبالتالي يجب أن تتريث الحكومة في اتخاذ قرار تحويل الدعم من عيني إلى نقدي، لحين انخفاض معدلات التضخم إلى معدلات مقبولة تسمح بتنفيذ قرارات مالية تُنعش الاقتصاد المصري أولاً، ثم بعد ذلك التفكير في ملف منظومة الدعم.
ولفتت الخبيرة الاقتصادية إلى أن نظام الدعم النقدي يتطلب اجراءات عديدة قبل الاقدام عليه، وذكرت أن أهم تلك الاجراءات يتمثل في وجود قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة بأسماء المواطنين المستفيدين من منظومة الدعم، من أجل ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، إلى جانب مراجعة قيمة الدعم بصورة دورية بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية ويحافظ على القوة الشرائية للأسر المستفيدة.
ولكنها شككت في نجاح الحكومة في تحديد قاعدة بيانات دقيقة بأسماء المواطنين المستفيدين من منظومة الدعم، معللةً وجهة نظرها بأن الحكومة فشلت في حصر أعداد المواطنين فيما يتعلق بملف "الإيجار القديم" الذي ما يزال يثير لغطاً حتى الآن.
تحفظات الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس فيما يتعلق باتجاه الحكومة المصرية نحو تطبيق تحويل الدعم من عيني إلى نقدي، جاءت متوافقة مع ما قاله رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية الدكتور رشاد عبده في حديثه لمنصة "المشهد": حيث أوضح أن سلبيات التحول الدعم إلى عيني ستكون أكثر من إيجابياته، لأن المستفيدين سيحصلون على الدعم النقدي بدلاً من السلعة، ومن ثم سيقومون بشراء احتياجاتهم من السوق، وهو ما سيجعل هناك حركة رواج كبيرة في عمليتي البيع والشراء، وستحدث عملية سحب السلع من السوق، وهو الأمر الذي سيعطي فرصة للتجار على رفع الأسعار نتيجة سحب المعروض، وبالتالي سيكتشف محدودي الدخل أن ما حصلوا عليه من الدعم النقدي لا يكفي لشراء ما كانوا يحصلون عليه من الدعم العيني".
وأكد عبده أن نظام الدعم العيني المعمول به حالياً في مصر، يعد ضمانة قوية لمحدودي الدخل ضد جشع التجار، لأن السلعة في حال ارتفاعها أو انخفاضها سيحصل المواطن عليها دون ضرر.
تطوير منظومة الحماية الاجتماعية هدف "حكومي"
ومن جهته يرى المتخصص في الشأن الاقتصادي بجريدة الأهرام المصرية هاني نصر، أن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي هي خطوة تعكس حرص الحكومة على تطوير منظومة الحماية الاجتماعية دون المساس بحقوق الفئات المستحقة، واصفاً تلك الخطوة بأنها تعد أحد الخيارات المهمة لتطوير منظومة الدعم.
وأشار إلى أن التحول من الدعم العيني إلى النقدي لا يجب أن ينظر إليه باعتباره مجرد تغيير في طريقة تقديم الدعم، ولكن كجزء من رؤية متكاملة للإصلاح الاجتماعي والاقتصادي تستهدف تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز كفاءة الإنفاق العام، مع الحفاظ على حقوق المواطنين الأكثر احتياجًا.
وأضاف نصر أن نجاح أي توجه نحو تطبيق الدعم النقدي يرتبط بمدى قدرة الدولة على توفير ضمانات حقيقية وفعالة لحماية الفئات الأكثر احتياجاً، لا سيما في ظل المتغيرات الاقتصادية الراهنة والتي تشهد تحديات عديدة.
وذكر أن هناك أموراً لا بد من تحقيقها لتحويل الدعم من عيني إلى نقدي، وذكر أن من بين هذه الضمانات الآتي:
- ربط الدعم النقدي بالتضخم وبشكل متغير سنوياً.
- لا بد وأن يكون النظام مرناً يدخل فيه من يستحق ويخرج من لا يستحق.
- يجب توافر قواعد بيانات متسقة ومتكاملة.
وتُطبِّق مصر منذ عقود منظومة تموينية لتوزيع السلع الأساسية بأسعار مدعومة، ويتم صرفها بشكل شهري من خلال بطاقات التموين، ورفعت الحكومة قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة، التي ستطبَّق بداية من يوليو المقبل، إلى 832.3 مليار جنيه، وفق وزارة المالية المصرية.
(المشهد - مصر)