يواجه العالم واحدًا من أصعب اختبارات أمن الطاقة في تاريخه، بعدما تسببت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في فقدان إمدادات تراكمية تقدر بنحو 2.6 مليار برميل من النفط، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة المخزونات العالمية على تعويض استمرار الانقطاع.
ورغم أن الأرقام المعلنة توحي بوجود كميات كبيرة من النفط داخل المخازن، فإن الجزء القابل للسحب والضخ سريعًا في الأسواق أقل بكثير، كما أن امتلاك مخزونات من الخام لا يحل تلقائيًا مشكلة نقص الديزل ووقود الطائرات، الناتجة عن تضرر المصافي واضطراب سلاسل التكرير والشحن.
2.6 مليار برميل من الإمدادات المفقودة
يقدر رئيس شركة أرامكو السعودية، أن العالم خسر إمدادات نفطية تراكمية تعادل نحو 2.6 مليار برميل منذ اندلاع الحرب، وهي كمية تكفي لتغطية الاستهلاك العالمي لمدة تقارب 25 يومًا، استنادًا إلى معدل الطلب السابق للحرب البالغ نحو 103 ملايين برميل يوميًا.
ولا يعني الرقم اختفاء 2.6 مليار برميل كانت موجودة بالفعل داخل المخازن، بل يعبر عن حجم الإنتاج والإمدادات التي كان يفترض وصولها إلى السوق ولم تصل نتيجة إغلاق مسارات الشحن وتعطل الإنتاج والصادرات.
وتظهر حسابات رويترز، أن الاضطراب الحالي يعد الأكبر من حيث حجم الإمدادات المفقودة تراكميًا، باستثناء الانقطاع الذي شهده العالم خلال الثورة الإيرانية عام 1979.
يقدر معظم المحللين الفجوة الحالية بين العرض والطلب بنحو 5 ملايين برميل يوميًا، بينما ترى أرامكو أن الإمدادات المفقودة من منطقة الخليج وحدها تصل إلى 11 مليون برميل يوميًا.
كم يومًا تكفي مخزونات النفط العالمية؟
أعلنت وكالة الطاقة الدولية في مارس، سحب 400 مليون برميل من احتياطيات الطوارئ في أكبر عملية من نوعها، لكنها تؤكد أن الدول الأعضاء لا تزال تمتلك مخزونات يمكن استخدامها إذا تفاقمت الأزمة.
وتبلغ المخزونات الحكومية والتجارية في دول الوكالة نحو 1.5 مليار برميل، وهي كمية تكفي نظريًا لتعويض فجوة قدرها خمسة ملايين برميل يوميًا لمدة 300 يوم.
غير أن وكالة الطاقة الدولية، لا تستطيع إصدار أوامر بسحب المخزونات التجارية التي تحتفظ بها شركات التكرير لأغراض تشغيلية، ما يخفض الكميات الحكومية الخاضعة لقرارات السحب إلى أقل من مليار برميل، أو نحو 900 مليون برميل.
وبهذا تستطيع المخزونات الحكومية سد الفجوة الحالية المقدرة بخمسة ملايين برميل يوميًا لمدة تقارب 180 يومًا، بشرط إمكان سحب الكميات ونقلها إلى الأسواق بالكفاءة والسرعة المطلوبتين.
احتياطي أميركا عند مستويات عهد ريغان
تستحوذ الولايات المتحدة على نحو ثلث المخزونات الحكومية المتبقية لدى دول وكالة الطاقة الدولية، لكن احتياطيها النفطي الإستراتيجي تراجع إلى أدنى مستوى منذ يناير 1983، عندما كان رونالد ريغان رئيسًا للبلاد.
وتتجاوز المشكلة حجم المخزون إلى حالة البنية التحتية، إذ حذر مكتب مساءلة الحكومة الأميركية من التدهور السريع لمنشآت الاحتياطي، مشيرًا إلى أن نحو ربع الكميات المخزنة قد لا يكون متاحًا للاستخدام.
ويقدر محللو رابيدان إنرجي تعذر سحب أكثر من 100 مليون برميل، ما قد يخفض الاحتياطي الأميركي القابل للاستخدام فعليًا إلى نحو 200 مليون برميل فقط.
وعند قياس هذه الكمية على فجوة عالمية قدرها خمسة ملايين برميل يوميًا، فإنها تكفي نظريًا لنحو 40 يومًا، وهو ما يفسر الحذر المتوقع عند اتخاذ قرار بإجراء سحب إضافي كبير.
الديزل ووقود الطائرات مصدر الخطر
لا تتعلق الأزمة بكمية النفط الخام وحدها، إذ تضررت مصافي في الشرق الأوسط وروسيا، مما ضغط بصورة أشد على إمدادات المنتجات المكررة، وفي مقدمتها الديزل ووقود الطائرات.
وتشير تقديرات مورغان ستانلي إلى أن المخزونات العالمية من الديزل ووقود الطائرات انخفضت إلى أدنى مستوياتها في 5 سنوات، وهو ما يزيد مخاطر ارتفاع الأسعار وحدوث نقص في بعض الأسواق.
كما أن ضخ المزيد من الخام لا يعوض المنتجات المكررة فورًا إذا كانت المصافي متوقفة أو تعمل بأقل من طاقتها، أو إذا كانت طرق الشحن الحيوية لا تزال معرضة للهجمات والاضطرابات.
الصين تمتلك هامش صمود أكبر
تظل البيانات المتعلقة بالمخزونات الصينية غير معلنة رسميًا، لكن تقديرات المؤسسات الاستشارية تضع احتياطيات البلاد من النفط الخام بين مليار و1.7 مليار برميل.
وبالاعتماد على التقدير الأعلى، تستطيع الصين نظريًا تعويض وارداتها السابقة عبر مضيق هرمز، والبالغة نحو 5.5 ملايين برميل يوميًا، لما يقرب من عام كامل.
ويضع ذلك الصين، إلى جانب اليابان، في موقع أفضل من معظم الاقتصادات الكبرى لمواجهة استمرار تعطل الإمدادات، خصوصًا مع قدرتها على خفض الاستهلاك وإدارة إنتاج المصافي والبتروكيماويات.
ترى وكالة الطاقة الدولية، أن إجمالي المخزونات العالمية يبدو مطمئنًا نسبيًا عند احتساب المخزون التجاري والإستراتيجي والصيني والنفط الموجود على متن الناقلات.
بعض هذه الكميات لا يمثل احتياطيًا حقيقيًا يمكن ضخه عند الطوارئ، فالنفط الموجود على الناقلات يكون غالبًا قد بيع بالفعل ويتجه إلى مشتر محدد، بينما تحتاج المخزونات التجارية إلى البقاء فوق مستويات تشغيلية معينة لضمان استمرار عمل المصافي.
(رويترز)
