يتطلع المصرفيون والسياسيون اللبنانيون إلى بيع أو تأجير جزء من احتياطيات الذهب الضخمة لدى البنك المركزي، والتي ارتفعت قيمتها بالتزامن مع ارتفاع أسعار الذهب، كوسيلة لإنقاذ البلاد من أزمة اقتصادية مدمرة، بحسب ما نشرته "فايننشال تايمز".
وقال تقرير مطول، إن لبنان يعاني من صعوبة التوصل إلى حل للانهيار الاقتصادي الذي يضرب البلاد منذ عام 2029، إلا أن بيع احتياطيات الذهب المتراكمة يُعد حلاً غير شعبي لدى المواطنين الذين يرونه حلاً يخدم مصالح قلة على حساب الكثيرين.
وقد اندلعت الأزمة التي قطعت فيها البنوك حسابات المودعين، وتخلفت الحكومة عن سداد ديونها، وفقدت العملة المحلية أكثر من 90% من قيمتها - بسبب نقص حاد في العملات الأجنبية.
ربط العملة في لبنان
جاء ذلك عقب سنوات مما وصفه البنك الدولي بـ"مخطط بونزي"، حيث كانت البنوك، وبالتالي المودعون، يحصلون على فوائد مرتفعة بشكل غير معتاد على ودائع الدولار لدى البنك المركزي، الذي سعى للحفاظ على ربط العملة.
لسنوات، قاومت البنوك دفع حصة كبيرة من مبلغ 70 مليار دولار المستحق للمودعين، بينما صرّحت الدولة بأنها لا تملك القدرة على تحمّل هذا العبء.
لكن لبنان يجد نفسه الآن أمام فرصة لتحقيق مكاسب غير متوقعة قد تُجنّبه اتخاذ مثل هذه القرارات الصعبة تمامًا، وفقًا للمحللين تحدثت إليهم فايننشال تايمز.
280 طن احتياطي ذهب في لبنان
يمتلك مصرف لبنان المركزي احتياطيًا ضخمًا من الذهب بالنسبة لبلد صغير كهذا، إذ يحتل احتياطيه الذي يزيد عن 280 طنًا المرتبة الثانية بعد السعودية في الشرق الأوسط، بدأ المصرف بتكوين احتياطيات الذهب في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي لدعم قيمة الليرة اللبنانية.
هذا يعني أن الارتفاع العالمي غير المسبوق الأخير في سعر الذهب قد حقق فائدة هائلة، حيث ارتفع سعر الذهب بنسبة 70% خلال العام الماضي، ليصل إلى أكثر من 5,000 دولار للأونصة.
تضاعفت قيمة احتياطيات لبنان من الذهب ثلاث مرات منذ بداية الأزمة لتصل إلى حوالي 45 مليار دولار في أوائل عام 2026، أي ما يعادل أكثر من نصف الخسائر المالية.
القانون يحظر بيع الذهب
لكن القانون اللبناني يحظر بيع الذهب أو تأجيره، ما يعني أن البرلمان سيحتاج إلى سنّ تشريع يسمح باستخدام هذا المعدن النفيس وفي غضون ذلك، يناقش السياسيون والمصرفيون قانونًا مثيرًا للجدل يحدد الجهة المسؤولة عن سداد ودائع المودعين.
يُعدّ هذا القانون شرطًا أساسيًا لإبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي، الذي تعتبره السلطات أمرًا بالغ الأهمية للتعافي من الكارثة، و منذ عام 2019، لم ينفذ لبنان الإصلاحات التي طالب بها صندوق النقد الدولي.
قانون الفجوة المالية
على الرغم من أن مشروع القانون - المعروف بقانون الفجوة المالية - يستبعد استخدام الذهب، إلا أن بعض المحللين يرون أنه سيصبح في نهاية المطاف جزءًا من الحل.
يقولون إن البنك المركزي لا يملك السيولة الكافية لسداد المدفوعات المنصوص عليها في القانون، ما لم يتم بيع أو تأجير جزء من الذهب على الأقل، ولم يعارض صندوق النقد الدولي استخدام الذهب.
خبير يشرح الأزمة
وقال مايك عازار، الخبير في الأزمة المالية اللبنانية، إنه بموجب جدول السداد المقترح في مشروع القانون، قد يتخلف البنك المركزي عن السداد ما لم يُجيز البرلمان بيع الذهب.
وأضاف عازار: "إذا كانت خطتكم هي استخدام الذهب، فصرحوا بذلك، لكن لا تُصدروا قانونًا من المرجح ألا يُطبّق ما لم يتم بيع الذهب، وتأملوا أن يُجبر من هم في السلطة مستقبلًا على القيام بذلك لتجنب تعثر آخر، بينما تقولون اليوم: لا، هذه ليست خطتنا".
قلّما دعا أحدٌ علنًا إلى بيع الذهب لأن الموضوع شديد الحساسية سياسيًا، وبدلًا من ذلك، تجري المناقشات بين المصرفيين وصناع السياسات في جلسات مغلقة.
وقال أحد المصرفيين المؤيدين لبيع جزء من الذهب، إن البنوك لا تُقدّم مثل هذه المقترحات علنًا لأنها لا تريد إثارة غضب الشعب اللبناني أكثر.
إنقاذ البنوك
قالت لمياء موبايد، رئيسة معهد باسل فليحان بوزارة المالية، أن الحل المطروح سينقذ البنوك والمودعين الأثرياء على حساب عامة الشعب، فهذه أصول الشعب، فإذا بِيعَ الذهب لسداد المودعين، فكأنك تبيع ثروة المنزل لإنقاذ أحد أبنائك الخمسة"، هكذا
وأضافت "من الناحية المحاسبية، لن يكون على الأسرة أي ديون، ولكن في الواقع، سيحصل أحد أبنائك على كل شيء على حساب إخوته، ليس هذا فحسب، بل سيكرر أخطاءه مرة أخرى".
تسييل 15 مليار دولار
كان وزير الصناعة جو عيسى الخوري من بين السياسيين القلائل الذين اقترحوا علنًا بيع الذهب، وقال في منشور على موقع "X" الشهر الماضي، "لتحسين قانون الفجوة، يُستحسن الموافقة على تسييل ما قيمته 15 مليار دولار من الذهب لشراء سندات استثمارية ذات فائدة صفرية، ومنحها للمودعين الذين تزيد ودائعهم عن 100 ألف دولار" ثم أوضح لاحقًا أن ذلك لن يكون لصالح البنوك.
وقال مارك داو، وهو عضو مستقل في البرلمان، إن المصرفيين والسياسيين المؤيدين للبنوك يدافعون عن بيع الذهب لأنه سيقلل من التزامات سداد البنوك التجارية للمودعين.
وأضاف داو: "بيع الذهب لا يفيد إلا البنوك، فإستراتيجية البنوك برمتها تقوم على تحويل الثروة من الدولة أو البنك المركزي إلى البنوك".
قال علي نور الدين، الباحث الاقتصادي في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، إنه إذا تم بيع الذهب على المدى القصير، فستستفيد البنوك لأنها "بدلاً من إعادة رسملة نفسها، ستعتمد على الذهب في السنوات الأولى من السداد".
خبير :إدارة الأصول السيادية أفضل من بيعها
وتحدثت منصة "المشهد" مع الخبير في أسواق الذهب طاهر المرسي، حول إمكانية تسييل الذهب اللبناني لحل الأزمة، وقال إن "المسألة لا تتعلق بقرار مالي تقني بقدر ما تمثل اختبارا لطبيعة إدارة الأصول السيادية في ظل أزمة ثقة حادة يمر بها الاقتصاد اللبناني"
وأوضح المرسي أن احتياطي الذهب الذي تتجاوز قيمته التقديرية 50 مليار دولار يُعد ركيزة سيادية تعكس ما تبقى من ملاءة الدولة، وليس مجرد أصل قابل للتسييل لتغطية احتياجات وقتية أو لسداد بعض أموال المودعين، فالأمر قد يؤدي إلى مشكلة أكبر في المستقبل فهو حل مؤقت.
وأشار إلى أن الطرح القائم على بيع جزء من الذهب يطرح إشكالية مزدوجة، فمن ناحية، ارتفعت أسعار الذهب عالميًا بأكثر من 70% خلال العام الماضي متجاوزة مستوى 5,100 دولار للأونصة، ما يجعل التوقيت مغريا من زاوية القيمة السوقية، غير أن البيع في سياق أزمة عميقة قد يُفهم كإشارة ضعف إضافية، ويؤثر سلبًا على ما تبقى من ثقة في النظام المالي.
وأضاف المرسي أن المستقبل يكشف عن صعود أقوى للذهب لأكثر من 8,000 دولار وفقا للتقديرات خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، إذن فكرة البيع هي بمثابة التخلص من أصل سعره يرتفع بشكل سنوي خصوصا بعد عام 2022.
سيولة نقدية مؤقتة
وبشأن المقترحات المتداولة لتسييل جزء من الذهب وليس كامل الاحتياطي، حذّر "المرسي" من أن توجيه العائدات لسداد كبار المودعين أو تخفيف أعباء البنوك قد يُنظر إليه كإعادة توزيع للثروة من أصل سيادي عام إلى فئات محددة، بما قد يزيد من حدة الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
وشدد على أن أي استخدام محتمل للذهب يجب أن يأتي ضمن خطة إصلاح شاملة تتضمن إعادة هيكلة القطاع المصرفي قبل أي خطوة تتعلق بالأصول الإستراتيجية.
كما اعتبر أن اللجوء إلى الذهب لتفادي التعثر في سداد الالتزامات قد يمنح مهلة زمنية محدودة، لكنه لا يغني عن الإصلاحات البنيوية المطلوبة، لا سيما تلك المرتبطة بمسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي.
(المشهد)