تتسارع وتيرة التدهور الاقتصادي في إيران بصورة غير مسبوقة، مع هبوط سعر صرف الريال إلى نحو 1.6 مليون مقابل الدولار، في مستوى يعكس حجم الضغوط التي تعيشها البلاد، ويضع الحياة اليومية للملايين تحت ضغط خانق، بحسب تقرير مطول من صحيفة "وول ستريت جورنال".
انهيار عملة إيران
الأزمة التي فجّرت احتجاجات واسعة مع مطلع العام الجديد، ازدادت حدة بعد حملة القمع التي استهدفت المتظاهرين، بالتوازي مع تصاعد التهديدات الأميركية بتوجيه ضربات جديدة، هذا المناخ المشحون دفع العملة إلى مزيد من الانهيار، وأدخل الأسواق في حالة شلل شبه كامل.
وكان هبوط الريال الإيراني قد أثار غضب التجار عندما لامس 1.4 مليون مقابل الدولار في نهاية العام الماضي، قبل أن يواصل الهبوط إلى مستوياته الحالية، بحسب ما نقلته الصحيفة.
يأتي ذلك في وقت كان فيه تضخم أسعار الغذاء قد بلغ 72% على أساس سنوي قبل اندلاع الاحتجاجات في ديسمبر، مع استمرار القفزات السعرية في سلع أساسية مثل الأرز والحليب والخضروات.
ويروي مواطنون من داخل البلاد، أنّ أسعار بعض المنتجات تضاعفت خلال أسابيع قليلة، ويقول أحد الشباب العائدين مؤخرًا من المملكة المتحدة، فوجئت بوجود عروض لشراء الزبادي بنظام التقسيط عبر تطبيقات التسوق الإلكتروني، في مشهد يلخص إلى أيّ مدى تآكلت القدرة الشرائية للأسر الإيرانية.
هذه التطورات تضع الحكومة أمام خيارات شديدة الحساسية، خصوصًا في ظل المحادثات الجارية مع واشنطن بشأن البرنامج النووي. وحتى الآن، تتمسك طهران بحقها في تخصيب اليورانيوم، رغم إدراكها أنّ أيّ انفراجة اقتصادية حقيقية، قد تتطلب تخفيف العقوبات المفروضة عليها.
عودة تدريجية للأنشطة التجارية
في الداخل، تتسع دوائر المعاناة، ولجأ كثيرون إلى العمل في أكثر من وظيفة، أو بيع ممتلكاتهم، أو التفكير في مغادرة البلاد، ورغم عودة بعض الأنشطة التجارية تدريجيًا بعد إعادة فتح المتاجر، ورفع حجب الإنترنت الذي استمر شهرًا، فإنّ القيود المفروضة على السحب بالعملات الأجنبية زادت من صعوبة الأوضاع، فيما فقد الريال نحو 84% من قيمته خلال العام الماضي، ما محا مدخرات واسعة من المواطنين.
حالة الضبابية السياسية تزيد المشهد الاقتصادي، في ظل ترقب لخيارات الرئيس دونالد ترامب بين المسار الدبلوماسي أو التصعيد العسكري. وقد أرسلت واشنطن مؤخرًا حاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط، في خطوة تعكس تصاعد التوتر بالتوازي مع محاولات التوصل إلى اتفاق نووي جديد.
انكماش اقتصادي
ويرى خبراء أنّ مناخ عدم اليقين يضغط بشدة على الاستثمار وسعر الصرف. وكان صندوق النقد الدولي قد توقع نمو الاقتصاد الإيراني بنسبة 1% فقط خلال 2026، إلا أنّ تقديرات حديثة ترجح دخول الاقتصاد في مرحلة انكماش فعلي، في ظل العقوبات الممتدة منذ إعادة فرضها عام 2018، إلى جانب أزمات هيكلية تتعلق بسوء الإدارة والقطاع المصرفي.
في المقابل، اتخذت حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إجراءات تقشفية، شملت إلغاء سعر صرف تفضيلي للواردات، ما أدى إلى تقليص الدعم عن بعض السلع الأساسية بنسبة تصل إلى 80%، وزاد الأعباء على المستهلكين. ومع استمرار تشديد العقوبات والضغوط الخارجية، تبدو أزمة العملة والمصارف مرشحة لمزيد من التعقيد، ما لم يحدث تحول سياسي واقتصادي يخفف من وطأة العزلة ويعيد قدرًا من الاستقرار للأسواق.
(ترجمات)