أعادت الحرب في الشرق الأوسط ترتيب أولويات الطاقة في آسيا، بعدما دفع تعطل إمدادات الغاز الطبيعي المسال عددا من أكبر الاقتصادات الآسيوية إلى العودة مجددا للاعتماد على الفحم، في تطور يضعف مكانة الغاز المسال كخيار مستقر اعتمدت عليه المنطقة لسنوات في توليد الكهرباء ودعم النمو الصناعي، بحسب تقرير نشرته "نيويورك تايمز".
خُمس الإمدادات العالمية خارج السوق
أخرجت الاضطرابات الجارية نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية من السوق، بعد توقف الإنتاج القطري وتعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
ووضع هذا التراجع الحاد آسيا، بوصفها أكبر مستهلك للغاز المسال في العالم، أمام اختبار صعب يتعلق بأمن الطاقة وكلفة الإمدادات واستمرارية التشغيل.
وتزداد حساسية الوضع؛ لأن آسيا تستقبل الحصة الأكبر من صادرات قطر، بينما تعتمد اقتصادات رئيسية مثل اليابان وسنغافورة وتايلاند وتايوان وباكستان وبنغلاديش على الغاز الطبيعي في توليد جزء كبير من الكهرباء، وهو ما جعل تأثير الأزمة أسرع وأعمق في أسواق المنطقة.
ودفعت مخاوف نقص المعروض شركات الكهرباء والمرافق الآسيوية إلى التنافس على شراء الشحنات المتبقية في السوق الفورية عند مستويات سعرية مرتفعة، فيما لجأت حكومات إلى ترشيد الاستهلاك واستخدام أدوات دعم مالي لتخفيف أثر الصدمة على المستهلكين والقطاعات الإنتاجية.
لكن الضغوط السعرية، إلى جانب محدودية الشحنات المتاحة، جعلت العودة إلى الفحم خيارا عمليا وسريعا لدى عدد من الدول التي تواجه صعوبة في تأمين الغاز بالكميات والأسعار المناسبة.
الفحم يعود إلى الواجهة
أظهرت التطورات الأخيرة أن الغاز المسال، الذي جرى الترويج له لسنوات باعتباره وقودا انتقاليا أقل تلويثا من الفحم وأكثر موثوقية من بعض بدائل الطاقة، ليس بمنأى عن الاختناقات الجيوسياسية.
ومع تعطل الإمدادات، بدأت دول آسيوية في تشغيل محطات الفحم بكامل طاقتها أو تأجيل خطط تقليص الاعتماد عليها.
وفي تايلاند عادت محطات الفحم للعمل بطاقة كاملة، بالتوازي مع استخدام أدوات دعم حكومية لامتصاص أثر ارتفاع أسعار الطاقة، كما زاد الاعتماد على الفحم في بنغلاديش منذ بداية الأزمة، بينما أبدت تايوان استعدادها لإعادة تشغيل محطة فحم متقاعدة إذا استمرت الاضطرابات لفترة أطول.
المشهد الحالي يعيد إلى الأذهان ما حدث بعد الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، عندما اندفعت أوروبا إلى سوق الغاز المسال لتعويض الغاز الروسي، فتراجعت قدرة دول آسيوية أقل ثراء على المنافسة، وارتفعت الأسعار إلى مستويات قاسية.
واليوم يتكرر النمط نفسه، مع اتساع الفجوة بين الدول القادرة على شراء الشحنات المرتفعة الثمن، وتلك التي تضطر إلى خفض الاستهلاك أو العودة إلى بدائل أكثر تلويثا.
كما تكشف الأزمة الحالية عن ضعف الرهان على سلاسل إمداد تعتمد على عدد محدود من الموردين الرئيسيين، في وقت تعتمد فيه آسيا بدرجة كبيرة على الإمدادات القادمة من الولايات المتحدة وقطر، ما يجعل أي اضطراب في أحد المسارين قادرا على هز السوق بالكامل.
أمن الطاقة يتقدم على اعتبارات الانبعاثات
في المدى القصير، تبدو أولوية الحكومات الآسيوية متمثلة في ضمان الإمدادات والحفاظ على استقرار الشبكات الكهربائية، حتى لو جاء ذلك على حساب مسارات خفض الانبعاثات. ولهذا يتقدم الفحم حاليا كحل سريع ومتاح، رغم كلفته البيئية المرتفعة، لأنه يوفر بديلا فوريا للغاز الباهظ أو غير المتوافر.
أما على المدى الأبعد، فقد تدفع هذه الأزمة بعض الدول إلى إعادة تقييم موقع الغاز المسال داخل مزيج الطاقة، وتسريع الاستثمار في مصادر متجددة أكثر استقرارا محليا وأقل تعرضا للاختناقات الجيوسياسية، خصوصا بعد تكرار الأزمات التي أصابت أسواق الغاز خلال فترة زمنية قصيرة.
حتى الآن، يبدو التحول نحو الفحم استجابة اضطرارية أكثر منه تغييرا نهائيا في سياسات الطاقة. لكن استمرار الحرب أو تكرار اضطرابات مماثلة قد يدفع عددا أكبر من الدول الآسيوية إلى مراجعة حساباتها الإستراتيجية، ليس فقط بشأن الفحم والغاز، بل أيضا بشأن جدوى الاعتماد طويل الأجل على واردات الطاقة المنقولة بحرا.
وبينما يوفر الفحم مخرجا سريعا من الأزمة الحالية، فإن السؤال الأكبر في آسيا خلال السنوات المقبلة سيكون ما إذا كان الغاز المسال سيظل يحتفظ بدوره كركيزة أساسية لأمن الطاقة، أم أن الأزمات المتكررة ستسرع انتقال المنطقة إلى بدائل أخرى أكثر تنوعا وأقل هشاشة.
(ترجمات)