الاقتصاد البريطاني بعد البريكسيت.. نمو على الورق وأزمات في المعيشة والدين

آخر تحديث:

شاركنا:
الاقتصاد البريطاني أصغر بنحو 8% والدين يقترب من 3 تريليونات جنيه (رويترز)
هايلايت
  • تراجع حجم الاقتصاد بنحو 6% إلى 8% بحلول نهاية عام 2025.
  • رئيس مركز دراسات اقتصادية: البريكسيت" أسهم في إضعاف الأداء الاقتصادي البريطاني.
  • خبير : التضخم المرتفع وتراجع التوظيف والنشاط التجاري أبرز محطات الاقتصاد.
  • مكتب الإحصاءات الوطنية: الدين العام سجل 2.986 تريليون جنيه بنهاية أغسطس 2026.
  • معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين إلى 3.1%.

بعد قرابة 10 سنوات على استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لا تبدو الأزمة الاقتصادية في البلاد مرتبطة بانهيار مفاجئ، بقدر ما تعكس ضغوطا تراكمية على التجارة والاستثمار والإنتاجية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد أعباء الاقتراض الحكومي في ظل سنوات واجه فيها الاقتصاد العالمي مشكلات عدة، بدءا من أزمة فيروس كورونا ثم حرب أوكرانيا، وصولا إلى أزمة الطاقة الحالية.

ورغم أنّ اقتصاد بريطانيا يحقق نموا، لكنه يواجه صعوبة في تحويل هذا النمو إلى تحسن ملموس في مستويات المعيشة للمواطنين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموازنة العامة، وتظل فيه قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق محدودة، ويبقى السؤال هنا، ما هو المستقبل للاقتصاد البريطاني وكيف كان الأداء في السنوات الماضية بعد استفتاء الخروج.

ضعف الأداء الاقتصادي البريطاني

رئيس مركز العاصمة للدراسات والبحوث الاقتصادية د. خالد عبد القادر الشافعي، يرى أنّ "البريكسيت" أسهم في إضعاف الأداء الاقتصادي البريطاني بجانب تداعيات جائحة كورونا واضطرابات أسواق الطاقة والتوترات الجيوسياسية العالمية.

وقدرت دراسة بحثية صادرة عن المكتب الوطني الأميركي للبحوث الاقتصادية، أنّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أدى إلى تراجع حجم الاقتصاد بنحو 6% إلى 8% بحلول نهاية عام 2025، مقارنة بما كان يمكن أن يحققه في حال استمرار العضوية.

وأشارت الدراسة إلى تراجع الاستثمار بنحو 12% إلى 13%، وانخفاض الإنتاجية والتوظيف بنحو 3% إلى 4%، وفقا لتقديرات الباحثين.

وتعكس هذه الأرقام، بحسب الدراسة، مجموعة من التأثيرات المتراكمة، تشمل استمرار حالة عدم اليقين لدى الشركات، وتراجع الطلب المتوقع، وتحويل جزء من الموارد الإدارية إلى التعامل مع متطلبات الخروج، إلى جانب تراجع كفاءة توزيع الموارد داخل الاقتصاد.

كما واجهت الشركات التي تتعامل مع الأسواق الأوروبية إجراءات إضافية تتعلق بالجمارك وقواعد المنشأ والامتثال التنظيمي، في حين فقدت بعض قطاعات الخدمات مزايا الوصول التي كانت تتمتع بها خلال عضوية الاتحاد الأوروبي.

مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني قال، إنّ ترتيبات التجارة الجديدة ستؤدي إلى انخفاض الإنتاجية على المدى الطويل بنحو 4%، مع تراجع حجم التجارة بنحو 15% مقارنة بالسيناريو الافتراضي لاستمرار العضوية.

النمو الاقتصادي 

وقال رئيس مركز العاصمة للدراسات والبحوث الاقتصادية، إنه رغم استمرار الاقتصاد البريطاني في تسجيل معدلات نمو إيجابية على مدار سنوات الخروج من الاتحاد الأوروبي، إلا أنّ هذا لا يعني بالضرورة تحسنا مماثلا في مستوى معيشة المواطنين.

وأظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.5% خلال الربع الثاني من عام 2026، بعد نمو بلغ 0.6% في الربع الأول، بينما ارتفع الناتج بنسبة 1.4% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وأضاف "عبد القادر"، أنّ التحدي الأساسي يظل مرتبطا بضعف الإنتاجية في البلاد وتراجع التوظيف في بعض السنوات، بالإضافة إلى ضغوط على القطاع التجاري نتيجة غياب المعاملة "التفضيلية" التي كانت تحظى بها بعض القطاعات قبل الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وتابع، أنّ "تحسن الإنتاجية يمثل أحد العوامل الأساسية لزيادة الأجور الحقيقية وتحسين القدرة التنافسية للشركات، من دون الاعتماد فقط على زيادة ساعات العمل أو التوسع في التوظيف.

التضخم يعود للارتفاع

على الرغم من تراجع التضخم البريطاني من ذروته المسجلة عند 11.1% في أكتوبر 2022، لا تزال الأسعار تمثل تحديا أمام الأسر، خصوصا مع تجدد الضغوط المرتبطة بالطاقة وتكاليف النقل خلال الأعوام 2025 و2026 .

وارتفع معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين إلى 3.1% في أغسطس 2026، مقابل 2.9% في يوليو، وفق مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، وجاء هذا الارتفاع في ظل زيادة تكاليف الطاقة والوقود وأسعار بعض خدمات النقل، بالتزامن مع اضطرابات أسواق النفط المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية.

وعلّق رئيس مركز العاصمة على عودة التضخم إلى الارتفاع، بأنّ الأسر قد تواجه صعوبة في استعادة قدرتها الشرائية على المدى المتوسط، حتى مع تراجع وتيرة زيادة الأسعار مقارنة بالمستويات القياسية التي سجلتها البلاد في عام 2022، لكن تظل الضغوط قائمة في ظل طاقة ارتفعت 54% تقريبا.

وأشار إلى أنّ هذه التطورات تضع بنك إنجلترا أمام معادلة صعبة، تتمثل في احتواء الضغوط التضخمية بتحريك الفائدة من دون زيادة الأعباء على الأسر والشركات التي تواجه بالفعل تكاليف تمويل مرتفعة منذ أكثر من 3 أعوام، مع بدء دورة التشديد النقدي في أميركا، وهو ما دفع بنوكا عدة لتحريك الفائدة.

سوق العمل يفقد بعض الزخم

سوق العمل البريطاني يواجه ضغوطا متزايدة، مع ارتفاع البطالة إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ سنوات، وتراجع شهية بعض الشركات للتوظيف في ظل ارتفاع التكاليف وعدم اليقين بشأن الطلب.

وتشير بيانات حكومية مكتب الإحصاء، إلى وصول معدل البطالة إلى 4.9% في يونيو 2026، في وقت تتعرض فيه الشركات لضغوط مرتبطة بتكاليف التشغيل والضرائب على أصحاب العمل.

ويشكل تباطؤ التوظيف تحديا إضافيا أمام الاقتصاد، إذ يمكن أن يؤدي إلى تراجع نمو دخول الأسر وضعف الإنفاق الاستهلاكي، وهو أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي.

الدين العام يقترب من 3 تريليونات جنيه

تتمثل إحدى أبرز نقاط الضغط في المالية العامة البريطانية، مع اقتراب الدين العام من حاجز 3 تريليونات جنيه إسترليني، وارتفاع تكلفة خدمة الدين في ظل مستويات الفائدة وعوائد السندات.

ووفقا لبيانات مكتب الإحصاءات الوطنية، بلغ صافي الدين العام نحو 2.986 تريليون جنيه بنهاية أغسطس 2026، بما يعادل 93.8% من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي الشهر نفسه، بلغت مدفوعات فوائد الدين الحكومي 8.8 مليارات جنيه، وهي أعلى قيمة مسجلة لشهر أغسطس منذ بدء السجلات الشهرية في عام 1997، من دون تعديل الأرقام وفقا للتضخم.

وتعني هذه الأعباء أنّ الحكومة مطالبة بتخصيص موارد مالية كبيرة لسداد فوائد الاقتراض، ما يحد من المساحة المتاحة لتمويل الخدمات العامة والاستثمارات الجديدة، خصوصا في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية.

كما أنّ استمرار ارتفاع عوائد السندات قد يزيد تكلفة الاقتراض الجديد وتجديد الديون المستحقة، وهو ما يجعل إدارة المالية العامة أكثر صعوبة في ظل تباطؤ النمو وعودة الضغوط التضخمية.

(المشهد)