بعد أسابيع من اندلاع حرب إيران، لم تعد تداعياتها محصورة في أسواق النفط والطاقة فقط، بل بدأت تمتد بوضوح إلى تفاصيل الحياة اليومية والقطاعات الاقتصادية في دول بعيدة عن ساحة القتال، من آسيا إلى أوروبا وإفريقيا، بحسب تقرير نشرته "غارديان".
فقد أدى إغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة في المنطقة إلى اضطرابات واسعة في الإمدادات، دفعت حكومات وشركات وأسر حول العالم إلى التعامل مع موجة جديدة من الضغوط المعيشية والاقتصادية.
وتشير التقديرات، إلى أن الأزمة الحالية تمثل واحدة من أكبر صدمات الإمداد في تاريخ سوق النفط العالمية، وهو ما يفسر سرعة انتقال الأثر إلى النقل والغذاء والسياحة والصناعة، خصوصا في الدول الآسيوية الأكثر اعتمادا على واردات الطاقة والمواد الخام القادمة من الخليج.
دول آسيوية في قلب صدمة الطاقة والغذاء
في الهند، بدأت الأزمة تنعكس مباشرة على قطاع المطاعم، حيث اضطرت منشآت كثيرة إلى تقليص ساعات العمل، وتخفيض قوائم الطعام، وإلغاء بعض الوجبات التي تحتاج إلى استهلاك أعلى للغاز.
وتحدث ممثلو القطاع، عن ضغوط تشغيلية قاسية تدفع كثيرين إلى الاكتفاء بحلول مؤقتة من أجل البقاء.
ولا تقف الضغوط عند هذا الحد، إذ تواجه الهند أيضا مخاطر أوسع نتيجة اعتمادها الكبير على واردات النفط والغاز من الخليج، إلى جانب تأثر فاتورة الواردات واحتياجاتها من الأسمدة، ما يزيد الضغط على الروبية والنمو الاقتصادي في وقت واحد.
في تايلاند، بدأت الحرب تضرب أحد أهم مصادر الدخل، وهو قطاع السياحة. فقد تراجعت استفسارات الحجز بشكل حاد، وألغى عدد كبير من السياح رحلاتهم بسبب المخاوف من اضطراب حركة الطيران وصعوبة العودة إلى بلدانهم.
وأدى إلغاء عدد كبير من الرحلات المتجهة إلى تايلاند إلى تعميق المخاوف من خسائر بمليارات البات، خصوصا إذا استمر إغلاق المجال الجوي أو بقيت حركة السفر الإقليمي تحت الضغط لأسابيع إضافية.
في سريلانكا، عادت السلطات إلى استخدام نظام إلكتروني لتقنين الوقود، في مشهد يعيد إلى الأذهان أزمة 2022 الاقتصادية. وظهرت طوابير طويلة أمام المحطات، بينما اشتكى سائقون وعمال من أن الكميات المسموح بها أسبوعيا لا تكفي لتأمين لقمة العيش أو تغطية احتياجات العمل اليومية.
وتكشف هذه التطورات مدى هشاشة الاقتصادات الصغيرة أمام أي صدمة كبيرة في أسواق الطاقة، خصوصا عندما تتزامن مع ضعف الاحتياطيات وارتفاع تكاليف الاستيراد.
الآثار تمتد إلى أوروبا أمنيا واقتصاديا
في أوروبا، لم يظهر أثر الحرب في الطاقة فقط، بل امتد أيضا إلى المخاوف الأمنية، بعد سلسلة حوادث استهدفت مواقع ذات طابع يهودي في عدد من الدول. ورغم أن الأضرار كانت محدودة، فإن هذه الوقائع عززت القلق داخل العواصم الأوروبية، ودفعت إلى تشديد الإجراءات الأمنية مع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة التوتر.
وفي الجانب الاقتصادي، سارعت حكومات أوروبية إلى تبني إجراءات طارئة لتخفيف أثر الأزمة، من بينها خفض الضرائب على الطاقة، بينما ذهبت إسبانيا أبعد من ذلك بإطلاق حزمة دعم بمليارات اليورو مع مساع لتجميد الإيجارات.
جنوب إفريقيا واليابان تواجهان تكاليف إضافية
في جنوب إفريقيا، انعكست قفزة أسعار وقود الطائرات مباشرة على تكلفة السفر، ما دفع شركات طيران إلى فرض رسوم وقود متغيرة على التذاكر. كما تتجه أسعار البنزين والديزل إلى زيادات قوية، وسط إعادة نظر من البنك المركزي في افتراضاته السابقة لمسار النفط هذا العام.
أما اليابان، التي تعتمد بشكل واسع على نفط الشرق الأوسط، فقد بدأت هي الأخرى تشعر بالأثر، ليس فقط عبر أسعار الوقود القياسية، بل حتى في بعض الصناعات الغذائية، بعدما اضطرت شركة محلية إلى وقف إنتاج خطوط رئيسية من رقائق البطاطس بسبب صعوبة تأمين الوقود اللازم للتشغيل.
الأثر لا يقتصر على النفط والغاز، إذ تسبب الازدحام في مضيق هرمز في تعطيل مرور شحنات من الحبوب والمواد الأولية والكيماويات ومواد البناء. وتظهر بيانات الشحن أن مئات السفن عالقة على جانبي المضيق، بعضها يحمل أسمدة وذرة وفوسفات وكبريتا ومواد خاما تدخل في صناعات متعددة.
وهذا يعني أن الحرب بدأت تضرب سلاسل التوريد العالمية بصورة أشمل، مع ارتفاع مخاطر انتقال الأزمة من الطاقة إلى الغذاء والتصنيع والبناء في عدد متزايد من الدول.
الأسمدة تهدد الإنتاج الزراعي في آسيا
تبدو آسيا من أكثر المناطق عرضة لهذا الخطر، لأن جزءا كبيرا من الأسمدة العالمية يمر عبر مضيق هرمز. وقد حذرت تقديرات دولية من أن استمرار الأزمة قد يرفع أسعار الأسمدة عالميا خلال النصف الأول من 2026 بنسبة تتراوح بين 15% و20%.
وبدأت بعض المصانع في الهند بالفعل في خفض الإنتاج أو الإغلاق بسبب نقص الغاز وارتفاع المدخلات، ما يثير مخاوف بشأن موسم الزراعة المقبل، كما يواجه المزارعون في تايلاند ودول أخرى ضغوطا إضافية من نقص الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل، وهو ما يهدد الإنتاج والدخل الزراعي معا.
في بنغلاديش، تزامنت الأزمة مع موسم السفر لعيد الفطر، ما أدى إلى شكاوى من ارتفاع أسعار تذاكر الحافلات ونقص الرحلات. وردت الحكومة بإجراءات تقنين للوقود، ونشر قوات لحماية المستودعات، وتقليص استهلاك الكهرباء، في محاولة لمنع تفاقم التوتر الاجتماعي.
وتبرز هنا حساسية هذه الدول تجاه أي زيادة مفاجئة في تكاليف النقل والطاقة، لأن ذلك ينعكس سريعا على الغذاء والسفر والحياة اليومية، وقد يتحول إلى ضغط سياسي واسع إذا طال أمد الأزمة.
رابحون وخاسرون من صدمة الحرب
كما يحدث في كل الأزمات الكبرى، هناك من يستفيد ومن يتضرر. فبعض الدول المصدرة للطاقة مثل النرويج وكندا قد تستفيد نظريا من ارتفاع الأسعار، وإن كانت بدورها تواجه حدودا في القدرة على زيادة الإنتاج بسرعة.
لكن أحد أكبر المستفيدين، بحسب التقرير، هو الاقتصاد الروسي، الذي حصل على مكاسب إضافية من ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب، كما أن تخفيف بعض القيود على النفط الروسي العالق، قد يمنح موسكو متنفسا ماليا إضافيا في وقت تستفيد فيه أيضا من الفوضى التي تضرب أسواق الطاقة.
(ترجمات)