تواجه أوروبا موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية والسياسية بعد الحرب في الشرق الأوسط، في وقت كانت فيه القارة تعاني أصلا تباطؤ النمو وارتفاع الديون وأزمة تنافسية ممتدة.
ويظهر تحليل إخباري مترجم عن "نيويورك تايمز"، أن تداعيات الحرب لم تضف فقط صدمة طاقة جديدة إلى الاقتصاد الأوروبي، بل زادت أيضا صعوبة إدارة الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل دول الاتحاد الأوروبي.
وبحسب التحليل، تجد أوروبا نفسها في موقع أكثر هشاشة من السابق، بعدما تدهورت علاقتها بروسيا وتزايدت توتراتها التجارية مع الصين، بينما أصبحت أقل اطمئنانا إلى المظلة الأمنية الأميركية.
ومع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من اضطراب في مضيق هرمز، دخلت القارة مرحلة أكثر تعقيدا على مستوى الطاقة والتضخم والإنفاق العام والاستقرار السياسي.
صدمة طاقة جديدة تضرب أوروبا
أبرز ما كشفته الحرب هو هشاشة وضع الطاقة في أوروبا. فبعد انتقال مكلف ومؤلم بعيدا عن النفط والغاز الروسيين، أصبحت القارة تعتمد بدرجة أكبر على واردات الغاز الطبيعي المسال، ومعظمها يأتي من الولايات المتحدة. هذا التحول خفف الارتباط بموسكو، لكنه أبقى أوروبا مكشوفة أمام أي اضطراب جديد في الإمدادات العالمية أو أمام أي توتر في العلاقة مع واشنطن.
ومع تعطل الإمدادات من الخليج وارتفاع الأسعار العالمية، تلقت أوروبا ضربة جديدة. فقد ارتفعت أسعار الغاز في القارة بنسبة 60% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب التي بدأت في 28 فبراير، وهو ما انعكس مباشرة على تكاليف الطاقة والإنتاج داخل عدد من الاقتصادات الكبرى.
التضخم يعود عبر بوابة الطاقة
أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية في أوروبا من جديد، خصوصا في اقتصادات تعتمد بشكل أكبر على الغاز مثل بريطانيا وإيطاليا. وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، بدأت الأسعار ترتفع بالفعل مع توقعات باستمرار هذا المسار خلال الأشهر المقبلة.
ولا تقتصر المشكلة على الأسر فقط، بل تمتد إلى الشركات أيضا. فارتفاع الطاقة يرفع كلفة الإنتاج على القطاعات الصناعية الثقيلة مثل السيارات والكيماويات والآلات، وهي قطاعات تشكل العمود الفقري للصناعة الأوروبية. ومع كل زيادة في الكلفة، تتراجع قدرة هذه الشركات على المنافسة في الأسواق العالمية.
أزمة تنافسية تتفاقم
يضع هذا التطور أوروبا أمام أزمة أعمق من مجرد موجة غلاء عابرة. فالقارة تعاني منذ سنوات تراجعا تدريجيا في حصتها من الاقتصاد العالمي، وسط تباطؤ الاستثمار وضعف الإنتاجية وتزايد المنافسة من الولايات المتحدة والصين.
وقد خلص تقرير أوروبي صدر في 2024 إلى أن الاتحاد يحتاج إلى استثمارات تقترب من تريليون دولار في مجالات الذكاء الاصطناعي وشبكات الطاقة المشتركة والحوسبة الفائقة وغيرها إذا أراد الحفاظ على قدرته التنافسية. لكن هذه الحاجة الاستثمارية الكبيرة تأتي في أسوأ توقيت ممكن، لأن معظم الحكومات الأوروبية مثقلة أصلا بأعباء الدين.
الديون والدفاع يضغطان على الموازنات
لا تواجه الحكومات الأوروبية فقط فاتورة طاقة أعلى، بل تتحمل أيضا ضغوطا متزايدة من الإنفاق الدفاعي. فمع تراجع الثقة في الضمانات الأمنية الأميركية، رفعت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي إنفاقها العسكري بقوة خلال العقد الماضي، ومن المنتظر أن يتجاوز إنفاقها على المعدات الدفاعية والبنية المرتبطة بها تريليون دولار بحلول 2030.
وفي الوقت نفسه، تزداد كلفة الخدمات الاجتماعية والمعاشات والرعاية الصحية مع تقدم السكان في العمر. هذا المزيج بين الدفاع والإنفاق الاجتماعي وخدمة الدين يجعل الموازنات العامة أكثر هشاشة، خصوصا في دول مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا حيث بلغت مستويات الدين بالفعل مستويات مرتفعة للغاية.
نمو ضعيف ومجال مناورة محدود
زاد المشهد الاقتصادي قتامة بعدما خفض البنك المركزي الأوروبي توقعاته للنمو هذا العام إلى 0.9% بدلا من 1.2% بسبب الارتفاع المفاجئ في أسعار الطاقة الناتج عن حرب الشرق الأوسط.
ويعني ذلك أن القارة تدخل فترة أكثر صعوبة تجمع بين نمو ضعيف وتكاليف أعلى وضغوط مالية متزايدة.
وفي مثل هذا المناخ، تصبح قدرة الحكومات على دعم الاقتصادات أو امتصاص الغضب الاجتماعي أكثر محدودية، لأن أي توسع مالي جديد قد يرفع كلفة الاقتراض أكثر، في وقت أصبحت فيه الأسواق أكثر حساسية لمخاطر الدين العام.
الحرب تغذي التوتر السياسي داخل أوروبا
لا تقف تداعيات الحرب عند الاقتصاد فقط. فالتوترات في الشرق الأوسط تعيد إلى الواجهة أيضا مخاوف أوروبا من موجة لجوء جديدة، وهو ما قد يمنح دفعا إضافيا لأحزاب اليمين المتطرف المناهضة للهجرة في دول مثل ألمانيا وفرنسا.
وهذه الأحزاب لا تكتفي برفض الهجرة، بل تتبنى أيضا مواقف أكثر تشككا في الاتحاد الأوروبي نفسه وفي نقل مزيد من الصلاحيات إلى بروكسل. وبذلك فإن أي أزمة لجوء جديدة قد توسع الانقسامات السياسية، وتزيد صعوبة الوصول إلى رد أوروبي موحد على التحديات الاقتصادية والأمنية.
النظام القديم يتآكل
يقوم التحليل على فكرة أساسية مفادها أن أوروبا فقدت ركائز الاستقرار التي اعتمدت عليها لعقود. فالأمن لم يعد مضمونا بالكامل من الولايات المتحدة، والطاقة الرخيصة من روسيا اختفت، والتجارة القائمة على قواعد مستقرة باتت تتعرض لضغوط من أكثر من اتجاه.
وفي المقابل، تجد القارة نفسها مضطرة إلى التحرك في عالم أكثر عدائية وأقل استقرارا، بينما لا تزال أولويات دولها متباعدة وسياساتها الداخلية شديدة الاستقطاب. وهذا ما يجعل الاستجابة الجماعية أصعب من أي وقت مضى.
أوروبا بين الاندماج الأعمق والانقسام الأوسع
يرى كثير من المسؤولين والاقتصاديين الأوروبيين، أن الطريق الوحيد للحفاظ على وزن القارة اقتصاديا وسياسيا هو مزيد من التنسيق والتكامل في ملفات الدفاع والصناعة والطاقة والسياسة الخارجية، لكن هذا المسار يصطدم بواقع سياسي منقسم وبصعود قوى شعبوية وقومية ترفض منح مؤسسات الاتحاد نفوذا أكبر.
وفي المحصلة، لا تبدو حرب الشرق الأوسط مجرد أزمة خارجية بالنسبة إلى أوروبا، بل عامل ضغط جديد يفاقم نقاط ضعف قديمة. فهي ترفع كلفة الطاقة والإنتاج، وتضغط على النمو والمالية العامة، وتزيد احتمالات التوتر السياسي الداخلي. ولهذا تبدو القارة أمام اختبار صعب يجمع بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية في لحظة واحدة.
(ترجمات)