في الوقت الذي تتجه فيها العديد من البنوك المركزية نحو إطلاق عملات رقمية، تواجه خططهم رفضا من الجمهور، بحسب صحيفة فايننشال تايمز، حيث ينتقدها الأميركيون باعتبارها "عملة بايدن"، ويخشى الأوروبيون على خصوصيتهم، فيما هناك قلة من الصينيين على استعداد للتخلي عن تطبيقات الدفع المجربة.
ويشارك حوالي 85 مصرفا مركزيا في مشاريع لإنشاء عملات رقمية، وفقا لبيانات بنك التسويات الدولية، من بينها بنك إنجلترا، الذي قال الشهر الماضي إنه من "المحتمل" أن تحتاج المملكة المتحدة في النهاية إلى عملة رقمية.
أهداف العملات الرقمية
تتمثل الأهداف نحو عملات رقمية في مدفوعات أرخص وأسرع، والمزيد من الشمول المالي، واستبعاد العملات المشفرة. ومع ذلك، فإن حماس الحكومات لا يقابله رضا من المواطنين، حيث ينظر الكثير منهم إلى عملات البنوك المركزية الرقمية، على أنها تتعدى على حياتهم الخاصة وهم غير متأكدين من الفوائد التي من المفترض أن تحققها.
وقال أستاذ سياسة التجارة الدولية في جامعة كورنيل إسوار براساد: "إن البنوك المركزية تضع الاستعدادات الفنية في مكانها الصحيح. لكنهم أدركوا أن هناك حاجة إلى مزيد من الدعم العام والسياسي الواسع قبل المضي قدما".
ويمكن أن يكون لإنشاء عملات البنوك المركزية الرقمية، أيضا تداعيات جذرية على المقرضين من القطاع الخاص، الذين سيواجهون نقصا في السيولة إذا تم تحويل طوفان من الأموال إلى خزائن الدولة، بحسب الصحيفة البريطانية والتي تضيف: كما يمكن أن يفرض صانعو السياسة قيودا للاحتفاظ - أو تقديم فائدة محدودة أو معدومة على الودائع، لوقف حدوث ذلك، لكن هذا من شأنه أن يعيق قبول عملات البنوك المركزية الرقمية.
ويقول أستاذ الاقتصاد بجامعة شيكاغو هارالد أوليج: "سيكون إخفاقا محرجا إذا لم يتم استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية".
انعدام الثقة
كان الاعتماد على العملات الرقمية التي أطلقت بشكل رسمي في عدد من البلدان منخفضا. ففي نيجيريا وهي واحدة من 4 بلدان أطلقت عملة رقمية للجمهور إلى جانب جزر الباهاما وشرق الكاريبي وجامايكا، استخدم أقل من 0.5% من المواطنين "eNaira" لأكثر من عام.
وقال الخبير الاقتصادي النيجيري موسوب أروباي، إن انعدام الثقة بين المواطنين والحكومة قلل من الاستخدام، مضيفا: "الناس متشككون في ذلك ويخافون من اختفاء أموالهم دون محاسبة أحد".
ولم تنطلق الفكرة بعد في الصين، التي أطلقت برنامجا تجريبيا في مدن مختارة في عام 2020 لتحدي هيمنة تطبيقات المدفوعات الرقمية "Alipay" و "WeChat".
وبلغت قيمة المعاملات التي تستخدم أنظمة رقمية خاصة للربع الثالث في الصين من عام 2022، نحو 87.5 تريليون رنمينبي (12.5 تريليونا دولار)، فيما كانت تلك التي تستخدم الرنمينبي الرقمي جزءا بسيطا بلغت نحو 100 مليار رنمينبي (14.5 مليار دولار).
واعترف المسؤول السابق في بنك الشعب الصيني شي بينغ في ديسمبر أن نتائج التجربة "لم تكن مثالية".
ومع ذلك، يشير مسؤولون آخرون إلى أن أشكال المال لا يجب استخدامها على نطاق واسع ليكون لها قيمة، إذ تقول مدير مركز الابتكار ببنك التسويات الدولية سيسيليا سكينغسلي: "لا أعتقد أن الأوراق النقدية للكرونا السويدية هي شكل من أشكال النقود أقل من الأوراق النقدية بالين الياباني لمجرد أن الأوراق النقدية السويدية المتداولة تعادل حوالي 1% من الناتج المحلي الإجمالي والأوراق النقدية اليابانية تزيد عن 20%".
تهديد البنوك المركزية
مع ذلك، فإن المنافسة هي العامل الدافع وراء حماسة الحكومات تجاه العملات الرقمية الأساسية.
وعلى الرغم من إخفاقاته، فإن مشروع "ليبرا" الذي قادته "فيسبوك"، وأطلق في يونيو 2019، وتوقف بهدوء في يناير 2022، سلط الضوء على تهديد لسلطة البنوك المركزية شبه الاحتكارية لإصدار الأموال الأساسية.
وفي منطقة اليورو، قادت هيمنة عملاقتي المدفوعات الأميركية "فيزا" و"ماستركارد" البنك المركزي الأوروبي إلى الضغط من أجل اليورو الرقمي.
ووجدت استشارة البنك المركزي الأوروبي لعام 2021 أن المواطنين الأوروبيين كانوا قلقين للغاية بشأن الآثار المترتبة على خصوصيتهم بشأن اليورو الرقمي. وفي بداية فبراير، تظاهر مئات الأشخاص في وسط أمستردام احتجاجا، حيث اشتكوا من أن اليورو الرقمي سيسمح للسلطات بمراقبة خيارات الإنفاق لديهم وتقييدها.
وقالت الأستاذة المنتسبة في المدرسة العليا للتجارة بفرنسا مارينا نيفوروس: "يحتوي التاريخ الأوروبي على أمثلة مؤلمة لإساءة استخدام السلطة المركزية لمعلومات المواطنين. بالنسبة للعديد من الأوروبيين، تعد خصوصية البيانات حقا مكتسبًا يجب احترامه من قبل أي مشروع جديد".
القلق من إخفاء الهوية
تشعر البنوك المركزية بالقلق من أن الإفراط في إخفاء الهوية قد يسمح للمستخدمين بخرق القواعد الصارمة لمكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب.
ويحاول المدير التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي والمشرف على مشروع العملة الرقمية فابيو بانيتا، تقديم حل وسط الشهر الماضي، قائلا إن البنك المركزي لن يكون قادرا على الوصول إلى بيانات المدفوعات الشخصية للأشخاص، ليقترح معالجة المعاملات ذات القيمة المنخفضة مع تدقيق منخفض.
ويشكك المحللون في أن تكون هذه التطمينات كافية، إذ يقول أستاذ الإدارة والمالية في جامعة ستانفورد داريل دوفي: "سيتعين عليهم تقييد أيديهم خلف ظهورهم لإثبات أنهم لا يملكون البيانات".
رفض شعبي بأميركا
ويتجاهل المسؤولون في الولايات المتحدة الرفض الشعبي. ففي الوقت الذي تتعرض فيه الحكومة لانتقادات شديدة بسبب التضخم المرتفع، أصبح الدولار الرقمي، الذي يطلق عليه "عملة بايدن"، موضوعا لحملات التضليل عبر الإنترنت، والتي تزعم أن الرئيس الأميركي قد وقع بالفعل أمرا تنفيذيا للتخلص من الأموال النقدية.
وقال الخبير الاقتصادي والمحامي جيم ريكاردز: "يتم بيع عملات البنوك المركزية الرقمية على أنها أفضل وأسرع وأرخص ثمنا، ولكن سيتم استخدامها كسلاح لتشكيل وتحديد الأعداء السياسيين".
وبينما أجرى بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن ونيويورك تجارب على مفهوم العملة الرقمية الأميركية، إلا أن بعض المسؤولين الماليين بعيدون عن هذه الفكرة، إذ تقول نائبة وزير المالية المحلية بوزارة الخزانة نيلي ليانج، إن الحاجة إلى عملة رقمية ليست موجودة حاليا. وذلك على رغم أنها قالت هذا الشهر إن وزارة الخزانة، ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، والبيت الأبيض سيبدأون قريبا مناقشات حول عملة البنك المركزي الأميركي.
ويقول المناصرون إن الدولار الرقمي يمكن أن يخفض تكاليف المدفوعات للأسر ذات الدخل المنخفض.
وتقول سكينغسلي: "يجب أن تكون العملات الرقمية موجودة لتلبية جزء معين من تفضيلات الجمهور.. وألا تصبح الشكل المهيمن للمال".
ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كان أولئك الذين ليس لديهم حسابات بنكية سيكونون قادرين على الوصول إلى عملات البنوك المركزية الرقمية، إذ يواجه بنك إنجلترا، الذي قال إن القرار النهائي بشأن اعتماد "بريتكوين" في عام 2025، انتقادات من المشرعين، الذين قالوا إن هناك طرقا "أكثر وضوحا واستهدافا" لزيادة الوصول إلى النظام المصرفي.
وقالت لجنة الشؤون الاقتصادية في مجلس اللوردات بالبرلمان البريطاني في عام 2022 إن الجنيه الرقمي سيشكل "مخاطر كبيرة" مثل مراقبة الدولة ويمكن استغلاله من قبل الدول المعادية والمجرمين.
وفي الولايات المتحدة، قدم صوت الأغلبية في مجلس النواب توم إمر (جمهوري) مشروع قانون يمنع الاحتياطي الفيدرالي من إطلاق دولار رقمي مباشرة للأفراد.
(ترجمات)