كيف أثرت الحرب الروسية الأوكرانية على اقتصادات الدول العربية؟

آخر تحديث:

شاركنا:
معظم الدول العربية تعتمد على الواردات الروسية والأوكرانية خصوصا القمح والطاقة (رويترز)
هايلايت
  • دول عربية ستدور في حلقة مفرغة لأن حالة عدم اليقين في الحرب لا يمكن أن يُصاحبها استقرار.
  • جميع الدول العربية تضررت من الحرب باستثناء دول الخليج النفطية التي لديها فائض في الميزانية.
  • كلما طالت فترة الحرب كلما اتسعت الرقعة الجغرافية للدول التي ستعاني من أزمات اقتصادية غير مسبوقة. 

دول كثافتها السكانية في ارتفاع، تعاني من تغيّرات مناخية وموجات جفاف، وتعتمد على الواردات الروسية والأوكرانية خصوصا القمح والطاقة، لكنها رغم وضعها الاقصادي كانت قبل عام وتحديدا في 24 فبراير غير متوقعة لتداعيات حرب موسكو وكييف التي تدخل اليوم عامها الثاني.

وبينما يتبادل طرفي الحرب القصف، فإن أكبر حرب أوروبية يشهدها العالم منذ عام 1945 أثقلت كاهل سكان دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأصبح مصيرهم متعلق بمصير هذه الحرب التي أكد الرئيس الروسي طول أمدها.

المنطقة العربية المتقلبة التي تعاني من مشاكل إقليمية وسياسية واقتصادية لم تكن استثناءً للاضطرابات الناجمة عن الصراع الذي تسبب في نقص الغذاء وارتفاع معدلات التضخم وتزايد الاحتجاجات ضد ارتفاع الأسعار.

لكن من جانب آخر، استطاعت بعض دول المنطقة أن تضيف مئات المليارات من الدولارات إلى خزائنها وتحافظ على آمنها الاقتصادي وتضمنه وإن طالت الحرب.

حالة تضخم مقلقة

وبعد سنوات من الانخفاض المستمر لمعدلات الجوع، ارتفع المعدل في العالم فجأة، رغم إنتاج ما يكفي لإطعام ضعف سكان العالم، هذا ما لخصته تقارير أممية في صورة قاتمة رسمتها على وضعية الأمن الغذائي في العالم، أحد أهم أسبابها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.

الأمم المتحدة دعت في تقريرها الأخير إلى ضرورة اتخاذ إجراءات إنسانية عاجلة في 20 دولة اعتبرتها "بؤرة ساخنة للجوع" في العالم، بينها 5 دول عربية، هي سوريا والسودان، واليمن، والصومال، ولبنان.

وبحسب منظمة الأغذية والزراعة فإن أسعار الغذاء عالميا تواصل الانخفاض، لكن في المقابل أسعار الكثير من المواد الغذائية وأسعار الطاقة تواصل الارتفاع في دول عربية عدة، خصوصا مصر ولبنان وسوريا وتونس والمغرب والسودان.

ويعزي خبراء الأسباب إلى حالة تضخم لا تتوقف واستمرار الصدمات التجارية وتراكمات سياسات مالية غير ناجعة إضافة إلى عدم تنويع مصادر القمح والذي يعد عنصرا أساسيا لدى العرب.

وخصوصا مصر التي تعتبر أكبر مستورد للقمح في العالم، حيث إن أكثر من 80% من واردات مصر من القمح تأتي من روسيا وأوكرانيا، كما أن السودان واليمن والعراق يعتمدون بشكل كبير على واردات الحبوب من روسيا وأوكرانيا.

في السياق تقول الخبير الاقتصادية سمر عادل إن الحرب الروسية الأوكرانية تجعل المشاكل الاقتصادية في بعض دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أسوأ مما كانت عليه.

وتضيف الخبيرة المصرية في تصريح لمنصة "المشهد" أن البلدان الأفقر في المنطقة ستستمر معاناتها مع ارتفاع أسعار الحبوب والطاقة، و"ستؤدي حتماً إلى اضطرابات سياسية واجتماعية".

وتوضح أن درجة التأثير اختلفت من دولة إلى ثانية حيث أن الدول النفطية علت أسعارها وبالتالي رغم أزمة سلاسل التوريد تأثر إيجابا.

حلقة مفرغة وتقشف مالي

أما على مستوى الدول غير للنفطية مثل مصر فتأثرت بالسلب لأن 60% من المدخلات تأتي من السياحة و70% من السياح هم أوكرانيون وروس.

الخبيرة المصرية تشير إلى أن فيه حالة الحرب لن يذهب الروسي أو الأوكراني أو حتى الأوروبي للسياحة في مصر بل يسعون إلى إدّخار الأموال وهذا أدى إلى تراجع دخل النقد الأجنبي. وتتابع:

  • مصر تعرضت لصدمة كبيرة وتأثرت قدرتها على استيراد القمح كان عليها من البداية أن تنوع مصادر الاستيراد.
  • صدمة أسعار الطاقة في دول غير نفطية أثر على عجز الميزانية وبالتالي زاد عبء المواطنين وتأثرت سلتهم وجيبوهم.
  • ارتفاع أسعار المواد الغذائية وشح بعض السلع قاسم مشترك بين جميع الدول العربية لكن الدول التي لديها فائض مالي لم تتأثر.

وتتوقع الخبيرة المصرية أن تستمر الدول العربية الأكثر تضررا من الحرب في حلقة مفرغة حيث ستلجأ إلى تقليل استيراد سلع معينة بسبب أزمة الدولار أيضا التي ستزيد لأن الحرب ليس لها نهاية.

"نعيش حالة من عدم اليقين، العملات العربية معرضة لمزيد من الانخفاض مستويات الإنفاق ستتراجع وسنعاني من حالة من التقشف المالي إضافة إلى ارتفاع الأسعار النفطية في الشهور القليلة المقبلة" تقول سمر عادل.

مما يعني أن الدول العربية مقبلة على مزيد من معدلات الفقر والبطالة والاضطرابات وستدخل الحكومات في "حلقة مفرغة من حالة عدم اليقين التي لا يمكن أن يصاحبها استقرار"، تختم سمر حديثها. 

أزمات اقتصادية غير مسبوقة

من جهته يؤكد الخببر الاقتصادي جهاد حكيم أن الدول التي كانت تعاني من حروب واضطرابات سياسية واقتصادية زادت أوضاعها بفعل التضخم سوءا مثل سوريا ولبنان. 

ويقول حكيم إن الوضع في تدهور أكبر ففي العملة الوطنية تنهار وأسعار المشتقات النفطية دون الحديث مشاكل الكهرباء الذي ينقطع بسبب احتكار مولدات خاصة.

ويلخص حكيم في حديثه لـ "المشهد" ما يعيشه لبنان في 3 أزمات رئيسية: أزمة مصرفية وأزمة العملة الوطنية والأزمة السياسية.

وأوضح أن القطاع المصرفي كانت تستفيد منه لبنان حيث كان المواطنون يأخذون أموالا أكثر ويرسلونها إلى المصارف، لكنهم اليوم توقفوا عن إرسالها لأن مداخليهم في الخارج تراجعت.

ويتابع "اللبنانيون في الخارج هم الذين يساعدون من بقي في الداخل، تحويلاتهم من دول الخليج ودول إفريقية تسهم في جعل الكثيرين على قيد الحياة".

واعتبر الخبير اللبناني أن هذه الأزمة تُعد أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ لبنان ومن أسوأ 3 أزمات اقتصادية في العالم.

وينفي المصدر ذاته أن يكون هناك تفاؤل بانفراجة للأزمة في السنوات القليلة المقبلة.

ويقول "إذا بقيت هذه الطبقة السياسية من الصعب أن يتغير المشهد الاقتصادي وإذا تحسن في ظل وجود منظومة سياسة مالية نقدية فالتحسن لن يكون مستدام لأن ليس قائما على أسس متينة". 

وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن أكثر من 80% من اللبنانيين فقراء.

فواتير الطاقة تاريخية

ومثل باقي اقتصادات الدول غير النفطية تأثر الاقتصاد المغربي سلبا لأنه يستورد العديد من المواد من الخارج خصوصا المحروقات حيث تجاوزت الفاتورة الطاقية 150 مليار درهم وهذا الرقم لم يعرفه المغرب في تاريخيه، بحسب الخبير الاقتصادي محمد جدري.

ويضيف أن المغرب عانى أيضا من ارتفاع أسعار المواد الأولية مثل الحبوب والزيوت، كما وصلت أسعار مواد البناء مثل خشب اللومنيوم والحديد إلى مستويات قياسية مما رفع تكلفة البناء.

ويتابع المجال الزراعي الذي يمتاز به المغرب تضرر أيضا لأن بعض الأعلاف والأسمدة تستورد من أوكرانيا لذا شهد صغار الفلاحين أزمة ورفعوا أسعار منتجاتهم لتغطية تكاليف الإنتاج.

ولفت الخبير المغربي إلى أن المملكة تشهد ارتفاع معدلات التضخم مما ألحق ضررا كبيرا بالقدرة الشرائية للطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود، في المقابل يقول جدري:

  • الأمر الإيجابي هو أن المغرب مصدر للفوسفات هذه المادة الأولية شهدت أسعارها ارتفاعا.
  • هناك طلب كبير على المنتجات الزراعية المغربية ومنتجات الصيد البحري.
  • السياحة المغربية الأكثر تنافسية أقل تكلفة من الدول الأوروبية وبالتالي تعافت السياحة بعد جائحة كورونا.

حرب استنزاف طرفي الحرب والعالم

الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت عامها الثاني من المتوقع تستمر لوقت طويل حتى يتم استنزاف طرفي الحرب حسب تقارير غربية لكن الخبير الاقتصادي الدولي دكتور رشاد عبده فيعتبر أن الحرب الروسية الأوكرانية ستستنزف دولا عدة بعيدة عن حدودها.

"أوكرانيا وروسيا تعتبران سلة المنطقة الغذائية، وهذه الحرب لا نعلم مسارها ولا نهايتها، لذا اقتصادات دول المنطقة في تدهور غير معلوم متى يتوقف أو تخف حدته" يشرح الخبير الدولي في حديث لمنصة "المشهد".

وتعتبر الجارتان مصدر القمح والشعير والحبوب الأخرى لثلاث أرباع العالم، كما أن صادرات روسيا النفطية تصل إلى 10 مليون برميل يوميا لكنها اليوم متوقفة بسبب العقوبات التي تحاصر اقتصادها.

العقوبات أدت إلى تدهور عملة الروبل الروسية، حسب رشاد عبده فأي تدهور لعملة دولة يؤثر على دول الجوار وكلما تأثرت هذه الأخيرة وتدهور اقتصادها يتضرر جيرانها أيضا حتى تتسع الرقعة الجغرافية للأزمة.

ويضيف رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية أنها كلما طالت فترة الحرب كلما زادت المشاكل الاقتصادية العالمية.

وعن الوضع في العراق تحديدا، يرى عبده أن الاتهامات الموجهة للعراق بتهريب الأموال إلى إيران ومن إيران إلى روسيا أدى إلى قيود خارجية رفعت سعر الصرف وأثرت على جميع مناحي حياة المواطن المواطن العراقي.

وبالحديث عن إيران فيرى مراقبون أن الاتفاق النووي الإيراني أكثر عرضة للفشل، بسبب أن روسيا لم تعد مهتمة بالترويج لاتفاق، وهذا يهدد بتصعيد التوتر بين إيران وخصومها في الشأن الخارجي، وتزايد حصارها اقتصاديا مما يؤجج التوترات في الداخل. 

ويوضح الخبير الدولي أن تضرر الاقتصاد الإيراني أثر بشكل كبير على الاقتصاد العراقي لأن بكل بساطة تربط بغداد وطهران اتفاقيات تجارية عدة. 

ويشير المصدر ذاته إلى أن نسبة الفقر في العراق ارتفع خلال سنة من 42% إلى 50%، مشددا على 25% من العراقيين تحت خط الفقر، كما انخفضت العملة العراقية انخفضت بـ30%. 

ويتأسف الخبير العراقي لعدم قدرة الحكومة على حل هذه المشاكل بسبب نظام المحاصصة الذي دمر البلد، على حد تعبيره. 

"لا يوجد هناك دول أكثر تضررا بالحرب جميع الدول العربية متضررة باستثناء الخليج ليس هناك اليوم بلد آمن اقتصاديا عدا دول الخليج" يختم رشاد عبده حديثه. 


(المشهد)