وجهت الحرب الإيرانية ضربة قوية للاقتصاد العالمي، خصوصًا في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة التي لحقتها التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب، وبدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعترف بتأثيرات هذه الحرب.
وهناك مجموعة من المؤشرات الاقتصادية التي كشفت تداعيات الحرب على الاقتصاد الأميركي، حيث ساهمت الحرب في الشرق الأوسط في إشعال التضخم وإرباك سلاسل الإمداد، وتبدد الآمال في تحقيق طفرة نمو مدفوعة بالتخفيضات الضريبية خلال العام الجاري.
التداعيات الاقتصادية تفرض نفسها
وتُعد هذه الرياح الاقتصادية المعاكسة أحد الأسباب التي تدفع إيران إلى التمسك بموقفها خلال المحادثات مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، كما أنها تعزز ثقة الديمقراطيين في قدرتهم على استعادة السيطرة على غرفة واحدة على الأقل من الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي هذا العام.
ورغم تصريح ترامب في وقت سابق من هذا الشهر، بأنه "لا يفكر في الوضع المالي للأميركيين" خلال التفاوض مع إيران، فإنّ الواقع يشير إلى عكس ذلك؛ إذ إنّ الضغوط الاقتصادية التي مارستها طهران عبر سيطرتها الفعلية على أحد أهم الممرات المائية في العالم، بدأت تترك آثارًا ملموسة على المستهلك الأميركي وصانع القرار الاستراتيجي الأميركي على حد سواء وفق تقرير مطول لـ"foreignpolicy".
عوائد السندات تكشف القلق
تُعد عائدات الديون الأميركية طويلة الأجل أفضل نقطة يمكن الانطلاق منها لفهم ما يؤلم الاقتصاد، وما قد يستمر في ملاحقته خلال الفترة المقبلة، وهو الارتفاع المستمر في الأسعار والتضخم المستعصي.
فالعائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات وهي أداة مالية تُستخدم كمؤشر على أسعار الفائدة التي قد يدفعها الأميركيون مقابل الرهن العقاري أو قروض السيارات، يواصل الارتفاع متجاوزًا مستوى 4.6%، ما يعكس حالة من الحذر والريبة لدى المستثمرين تجاه الأصول المالية الأميركية التي طالما اعتُبرت الأكثر أمانًا في العالم.
أما عوائد السندات لأجل 30 عامًا، فتعكس صورة أكثر قتامة، بعدما تجاوزت مستوى 5%، وسط توقعات من مديري الأموال المحترفين بمزيد من الارتفاع خلال الفترة المقبلة.
وتترجم هذه المؤشرات في الواقع العملي إلى رسالة واضحة مفادها، "لسنا متأكدين تمامًا من الرهان عليك"، في استفتاء غير مباشر على المسار الذي يتجه إليه الاقتصاد الأميركي.
عودة التضخم وأزمة الطاقة
ويبدو أنّ مخاوف مستثمري السندات تستند إلى معطيات واقعية، بعدما عاد التضخم للارتفاع مجددًا، مع زيادة الأسعار بنسبة 3.8% على أساس سنوي وفقًا لأحدث البيانات.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه آثار ارتفاع تكاليف المعيشة حاضرة بقوة في المشهد السياسي الأميركي بحسب تقرير foreignpolicy.
ورغم أنّ زيادات أسعار الغذاء ظلت محدودة نسبيًا عند 3.18%، فإنّ الأزمة الكبرى تمثلت في الارتفاع الحاد لتكاليف الطاقة، التي قفزت بنسبة 18% على أساس سنوي.
ويرتبط ذلك بخروج نحو 20% من النفط والغاز العالمي من التداول نتيجة الحرب التي اختارتها الولايات المتحدة ضد إيران، وما تبعها من إغلاق مطول لمضيق هرمز، الذي لا يزال حتى الآن بعيدًا عن العودة الكاملة للعمل.
قفزة في أسعار الوقود
قبل عام واحد فقط، كان متوسط سعر البنزين العادي في الولايات المتحدة يبلغ 3.17 دولار للغالون، أما اليوم فقد ارتفع المتوسط الوطني إلى 4.55 دولارات.
والوضع أكثر صعوبة بالنسبة للديزل، الذي يمثل عصب حركة النقل والشحن والقطاع الزراعي داخل الاقتصاد الأميركي، إذ ارتفع متوسط سعره بنحو 60%، من 3.54 دولار للغالون قبل عام إلى 5.65 دولار حاليًا.
ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى الارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام، إلى جانب بعض مشكلات التكرير، خصوصًا على الساحل الغربي الأميركي، التي ساهمت في تفاقم الأزمة.
فقد كان سعر خام غرب تكساس الوسيط عند نحو 58 دولارًا للبرميل وفي ديسمبر الماضي، بينما يتم تداوله حاليًا قرب مستوى 100 دولار للبرميل، في ظل اضطرابات مستمرة بأسواق الطاقة العالمية نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وهي اضطرابات مرشحة للاستمرار لأشهر حتى بعد أيّ تسوية محتملة للنزاع.
ضغوط على الفيدرالي
وتكمن خطورة ارتفاع أسعار الطاقة في أنها تنعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية، بداية من أسعار الغذاء وتذاكر الطيران، وصولًا إلى تكاليف الزراعة والنقل والشحن.
وأشار أحدث تقرير من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، إلى أنّ "تكاليف الطاقة والوقود ارتفعت بشكل حاد في جميع المقاطعات بسبب صراع الشرق الأوسط، ما أدى إلى زيادة تكاليف الشحن والنقل وارتفاع أسعار البلاستيك والأسمدة والمنتجات البترولية الأخرى".
لكنّ الضغوط الاقتصادية لا تقتصر على الطاقة فقط، إذ أشار التقرير أيضًا إلى استمرار تأثير الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على الواردات العالمية، وخصوصًا المعادن الأساسية المستخدمة في قطاعات الاقتصاد المختلفة.
وأوضح الاحتياطي الفيدرالي أنّ ضغوط تكاليف المدخلات أصبحت واسعة النطاق، مع ارتفاع أسعار الصلب والنحاس والألومنيوم بفعل الرسوم الجمركية، وهو ما يدفع أسعار هذه السلع إلى مسار تصاعدي حاد.
ويضع هذا الوضع الاقتصاد الأميركي أمام تحديات إضافية، خصوصًا بالنسبة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي القادم "كيفين وارش"، الذي اختاره ترامب على أمل خفض أسعار الفائدة، لكنه يواجه الآن اقتصادًا يجمع بين استقرار التوظيف وارتفاع الأسعار.
وتشير التوقعات الحالية إلى أنّ الاحتياطي الفيدرالي قد يضطر إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وربما رفعها مجددًا لاحقًا هذا العام للسيطرة على التضخم، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي واستثمارات الشركات الأميركية.
(ترجمات)