انخفضت قيمة العملة الإيرانية إلى مستوى قياسي، في ظل سعي الولايات المتحدة لزيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني المنهك، وتهديد الضربات الجوية بإشعال حرب شاملة جديدة بين طهران وواشنطن بحسب ما نشرته فاينينشال تايمز.
سعر صرف الريال الإيراني
وبلغ سعر صرف الريال 1.95 مليون مقابل الدولار في السوق المفتوحة يوم الأحد، بانخفاض يقارب 10% منذ بدء انهيار وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران مطلع يوليو.
جاء هذا التراجع بعد أن أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأسبوع الماضي، فرض حصار على الموانئ الإيرانية لقطع صادرات النفط وتعطيل الواردات، في إطار صراعهما للسيطرة على مضيق هرمز. كما ألغى ترامب استثناءً كان يسمح ببيع النفط الإيراني، الذي يُعد شريان الحياة الاقتصادي لطهران.
وتقول إيران إن الجيش الأميركي شنّ في الأيام الأخيرة ضربات على بنية تحتية، من بينها جسور وسكة حديد ومطار، على طول الساحل الجنوبي وداخل البلاد، في خطوة فسّرها المحللون على أنها محاولة للضغط على طهران للعودة إلى المفاوضات.
حتى قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية في فبراير، كان الاقتصاد الإيراني يعاني من أزمة حادة، إذ يكابد التضخم المتصاعد والعقوبات الدولية وسنوات من سوء الإدارة، وقد تفاقمت المعاناة منذ ذلك الحين، حيث بلغ التضخم السنوي ما يقارب 90% في يونيو.
تضخم الأسعار في إيران
يقول ألبرت بوغوسيان، الخبير الاقتصادي في جامعة طهران، إن إيران قادرة على تلبية العديد من احتياجاتها الأساسية محلياً، لا سيما الإمدادات الغذائية ويضيف أن التحدي الحقيقي يكمن في الأسعار، "فالتضخم المتصاعد يُضعف القدرة الشرائية للناس".
قال إسفنديار باتمانغليج، الرئيس التنفيذي لمؤسسة بورصة وبازار، وهي مركز أبحاث مقره المملكة المتحدة: "سيكون من المغري للمسؤولين الأميركيين الاعتقاد بأن الضغط الاقتصادي، سيرجح كفة الميزان لصالحهم".
لكنه أضاف: "لن يؤثر أي من هذا فعلياً على قدرة السلطات الإيرانية على شن الحرب، يمكن لإيران أن تصبح أفقر بكثير، ومع ذلك ستظل قادرة على إحداث مشاكل جمة للجيش الأميركي".
مع ذلك، فإن حجم التحدي الاقتصادي الذي فرضته الحرب المستمرة منذ أشهر، والتي قصفت خلالها الولايات المتحدة وإسرائيل مواقع النظام والجيش، فضلاً عن المصانع والبنية التحتية المدنية، لأسابيع، يُعدّ غير مسبوق.
خسائر الحرب
وقدّرت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، في أبريل، الخسائر الناجمة عن الحرب بنحو 270 مليار دولار. وقبل وقف إطلاق النار في أبريل، قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل أكبر شركتين للصلب في إيران، كما هاجمتا مصانع البتروكيماويات.
وقد أدى ذلك إلى تسريح واسع النطاق للعمال، حيث صرّح نائب وزير العمل في أبريل بأن مليوني شخص فقدوا وظائفهم بشكل مباشر أو غير مباشر نتيجة للحرب.
وقال جواد صالحي أصفهاني، أستاذ الاقتصاد الإيراني الأصل في جامعة فرجينيا للتكنولوجيا، والذي قضى مؤخراً فترة في إيران، إن الحكومة الإيرانية عالقة بين أولويات متضاربة.
وأضاف: "أولاً، الحفاظ على مستويات المعيشة واستهلاك الغذاء في خضم هذا القتال. وثانياً، منع التضخم من التفاقم إلى حد التضخم المفرط".
قال: "لقد تعلمت إيران كيفية التخفيف من بعض الضغوط الاقتصادية الناجمة عن العقوبات والحصار وما إلى ذلك. لكنني لا أعتقد أن هناك حلاً سحرياً للتعامل مع الدمار. يمتلك الأمريكيون ترسانة ضخمة من القنابل، وبإمكانهم تدمير الكثير من الأشياء".
يُعدّ مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره 20% نفط العالم وغازه الطبيعي المسال قبل الحرب، جوهرَ القتال المتجدد.
بموجب مذكرة تفاهم وُقّعت الشهر الماضي لتمديد وقف إطلاق النار الذي بدأ في أبريل لمدة 60 يوماً، وافقت الولايات المتحدة على رفع حصارها عن الموانئ الإيرانية، ووافقت إيران على السماح باستئناف حركة الملاحة التجارية عبر المضيق تدريجياً.
استغلت إيران الإعفاء المؤقت من العقوبات النفطية الأميركية بموجب الاتفاق لتعزيز صادراتها، ووفقاً لموقع "تانكر تراكرز"، شحنت إيران أكثر من 80 مليون برميل من النفط الخام ومشتقاته خلال تلك الفترة.
لكن الاتفاق انهار بعد أن استهدفت إيران سفنًا اتهمتها باستخدام مسار "غير مصرح به" عبر المضيق، ما دفع الولايات المتحدة إلى شن غارات جوية على إيران استمرت لأيام.
وردت إيران بشن هجمات على قواعد أميركية في دول مجاورة، اتهمتها بدورها باستهداف بنى تحتية مثل محطات تحلية المياه.
أزمة في توفير الكهرباء
وحثت وزارة الطاقة الإيرانيين على إطفاء مكيفات الهواء لمدة ساعة يوميًا للمساعدة في ضمان استمرار إمدادات الكهرباء إلى الجنوب، حيث تصل درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية في الصيف.
كما سارع المسؤولون إلى إعادة فتح الطرق المتضررة من خلال توفير مسارات بديلة مؤقتة، ووفقًا لمشغل السكك الحديدية الحكومي، فقد تم إصلاح خطوط السكك الحديدية التي تضررت جراء الغارات الأميركية في أقل من 24 ساعة.
سعت إيران إلى الحفاظ على سلاسل إمدادها عبر حدودها البرية، ولا تزال متاجر البقالة ممتلئة بالبضائع رغم التضخم الجامح.
ومع ذلك، قال بوغوسيان إنه في حين أن الطرق البديلة عبر الحدود البرية الغربية والشمالية تُعدّ حلًا مؤقتًا، فإن مضيق هرمز يُقدّم "أفضل مزيج من السرعة والتكلفة والكفاءة".
وأضاف أن الطرق البديلة "يمكن استخدامها في الوقت الراهن لتوفير السلع الأساسية، لكنها غير مجدية اقتصاديًا لاستيراد المواد الخام التي تحتاجها الصناعات".
وتؤكد إيران أنها لن تُجبر على الاستسلام، ويأمل حكامها أن يُجبر اضطراب أسواق الطاقة العالمية ترامب - الذي يتعرض لضغوط للسيطرة على أسعار الغاز المحلية قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر - على التراجع.
(ترجمات)
