أدت الحرب الإيرانية والتقلبات الحادة في أسعار النفط إلى تغيير مسار سوق الذهب العالمي خلال الشهرين الماضيين، بعدما تحولت التوقعات من استمرار الصعود القوي للمعدن النفيس إلى موجة تذبذب واسعة تميل للهبوط، لكن ماذا لدينا هذا الشهر من توقعات لحركة الذهب؟
ومع بداية الحرب الإيرانية يوم 28 فبراير 2026، اتجهت التوقعات نحو صعود قوي للذهب باعتباره الملاذ الآمن التقليدي وقت الأزمات الجيوسياسية، وبالفعل استجاب المعدن النفيس في الأيام الأولى للتصعيد، قبل أن تتغير الصورة تدريجيا مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية.
وقفزت أسعار النفط بأكثر من 54% منذ اندلاع الحرب، بعدما ارتفع سعر البرميل من مستويات تراوحت بين 70 و72 دولارًا إلى ما يزيد على 100 دولار، مع ملامسة مستوى 120 دولارًا خلال ذروة التوترات.
العلاقة بين النفط والذهب
وقال طاهر المرسي، محلل سوق الذهب والمعادن الثمينة، إن العلاقة بين النفط والذهب أصبحت العامل الأكثر تأثيرا في الأسواق خلال الفترة الحالية، موضحًا أن ارتفاع النفط يعني زيادة الضغوط التضخمية عالميا، وهو ما يدفع البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وأضاف "المرسي" لمنصة "المشهد" أن الأسواق كانت تراهن قبل الحرب على خفض الفائدة الأميركية خلال 2026 مرتين تقريبًا، لكن صعود أسعار الطاقة غيّر هذه التوقعات بشكل كبير، وهو ما دعم الدولار الأميركي وعوائد السندات، وأثر سلبًا على الذهب.
ضغط مزدوج على سوق الذهب
وأشار إلى أن الذهب يتعرض حاليا لضغط مزدوج، يتمثل في قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأميركية، لأن المستثمرين يفضلون وقتها الأصول التي تحقق عائدًا، مقارنة بالذهب الذي لا يدر أرباحًا.
وتراجعت أوقية الذهب من مستوى 5,200 دولار مع بداية الحرب الإيرانية إلى قرب 4,700 دولار حاليًا، بعدما سجلت هبوطا قويا خلال 23 مارس الماضي لتلامس مستوى 4,185 دولارًا، في واحدة من أكبر موجات الهبوط التي شهدتها أسواق المعادن النفيسة خلال العام الجاري.
استِجابة الأسواق العربية لحركة الذهب
من جهته، أكد علاء راشد، رئيس مجلس إدارة شركة "غولد بيليون" (Gold Billion) لتحليل أسواق الذهب، أن الأسواق العربية لم تكن بمعزل عن الموجة البيعية الواسعة التي ضربت المعدن النفيس عالمياً، وأدت إلى تراجعه بأكثر من 500 دولار للأوقية، إلا أن حدة التفاعل اختلفت من سوق إلى آخر بناء على استقرار وأداء العملات المحلية مقابل الدولار.
وأوضح "راشد" أن أسواق دول الخليج العربي كانت الأكثر استجابة وتناغما مع الهبوط العالمي؛ حيث انعكس تراجع الأوقية بشكل مباشر على الأسعار المحلية هناك لتهبط أسعار الذهب في الخليج 9.6%، نظراً لارتباط وقوة عملاتها التي وفّرت تمرير للسعر العالمي إلى المستهلك النهائي.
وفي المقابل، أشار رئيس "غولد بيليون" إلى أن الأسواق التي تشهد تقلبات حادة في أسعار صرف عملاتها المحلية، مثل مصر وسوريا والعراق ولبنان، لم تستجب بشكل واضح أو متناسب مع الهبوط العالمي.
وأرجع ذلك إلى أن "عامل العملة" في هذه الدول لعب دور المصدّ الذي امتص انخفاض السعر العالمي؛ ففي الوقت الذي كان الذهب يتراجع عالميا، كانت تغيرات قيم العملات المحلية تفرض ضغوطا أبقت على أسعار الذهب عند مستويات مرتفعة نسبيا، مما خلق فجوة في الأداء السعري بين البورصات العالمية وهذه الأسواق الإقليمية.
وأوضح راشد أن الكثير من المتعاملين يركزون فقط على سعر الأوقية عالميًا، بينما العامل الأهم داخل السوق العربي حاليا هو حركة الدولار، لأن أي ارتفاع في سعر الصرف ينعكس فورا على أسعار الذهب المحلية، وهي أبرز نقطة يجب التركيز عليها من أجل فهم حركة السوق وتحقيق المكاسب.
وبشأن توقعات مايو 2026، يرى محللون أن حركة الذهب ستظل مرتبطة بشكل أساسي بتطورات السياسة النقدية الأميركية وأسعار النفط، خصوصا في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب خفض الفائدة في الولايات المتحدة الأميركية.
أداء الذهب في أبريل
وخلال أبريل الماضي، تحرك الذهب داخل نطاق سعري واسع، حيث شكل مستوى 4,600 دولار نقطة دعم رئيسية، وهي المنطقة التي تعود عندها عمليات الشراء، وتساعد السعر على الارتفاع مجددًا.
في المقابل، ظهرت منطقة 4,950 دولارًا كمستوى مقاومة رئيسي، وهي المنطقة التي تزيد عندها عمليات البيع وجني الأرباح، ما يدفع الأسعار للتراجع.
وقال طاهر المرسي، إن السيناريو الأقرب خلال مايو هو استمرار تحرك الذهب داخل هذه النطاقات السعرية 4,480 أدنى و 4,950 دولارًا كحد أعلى، في ظل استمرار حالة الترقب في الأسواق العالمية.
وأضاف أن أخطر ما يواجه الذهب حاليا هو احتمال اضطرار الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى تشديد السياسة النقدية بشكل مفاجئ إذا استمرت أسعار النفط فوق مستويات 100 دولار للبرميل لفترة أطول، لأن ذلك سيؤدي إلى استمرار التضخم وارتفاع العوائد على السندات الأميركية.
وأشار إلى أن ارتفاع عوائد السندات يجعل المستثمرين أقل اهتماما بالذهب، بينما قد يعود المعدن النفيس للصعود بقوة إذا تراجعت عوائد السندات الأميركية دون مستوى 4.30%.
وأوضح علاء راشد، بشأن تقديرات وتوقعات الذهب في مايو، أن هذه التقديرات مرتبطة باستمرار التوترات في مضيق هرمز وبقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، مضيفًا أن السوق لا يزال شديد الحساسية تجاه أي تطورات سياسية أو عسكرية جديدة في المنطقة.
دعم متوقع للذهب حال توقف الحرب
وأضاف أن أي تهدئة أو هدنة طويلة الأمد في الحرب الإيرانية قد تدفع الأسواق لإعادة تسعير توقعات الفائدة الأميركية، وهو ما قد يدعم الذهب مجددًا.
وفي هذا السياق، توقع بنك ING Group أن يؤدي التوصل إلى هدنة أكثر استدامة إلى تقليل مخاطر التضخم الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما قد يخفف الضغوط على السياسة النقدية الأميركية، ويدعم الذهب ليستهدف مستوى 4,900 دولار للأوقية.
وعلى جانب آخر، لا تزال تحركات البنوك المركزية تمثل عنصرا مهما في سوق الذهب العالمي خلال الفترة الحالية.
سيولة لمواجهة ارتفاع النفط
وأظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن تسجيل صافي مبيعات من الذهب بنحو 30 طنًا خلال مارس 2026، مع اتجاه بعض الدول إلى توفير السيولة لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية.
وكان البنك المركزي التركي من أبرز البنوك التي اتجهت للبيع خلال الفترة الأخيرة، بهدف دعم الليرة التركية وتوفير السيولة اللازمة لمواجهة الضغوط الاقتصادية.
في المقابل، واصل البنك المركزي الصيني شراء الذهب خلال مارس 2026 للشهر الـ17 على التوالي، في إشارة إلى استمرار توجه الصين نحو تعزيز احتياطاتها من المعدن النفيس.
كما نفذ البنك المركزي البولندي مشتريات قوية من الذهب خلال الربع الأول من العام الجاري بلغت نحو 31 طنًا.
وقال مجلس الذهب، إن بعض البنوك المركزية استخدمت الذهب كمصدر للسيولة خلال فترة الحرب الإيرانية، مشيرًا إلى أن عمليات البيع الواسعة خلال مارس الماضي ساهمت في إضعاف تعافي الذهب رغم استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية.
(المشهد)