تتجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى تخفيف العقوبات بشكل مؤقت على جزء من شحنات النفط الإيرانية العالقة في البحر، في محاولة لاحتواء أزمة طاقة متفاقمة بعد 3 أسابيع من الحرب مع إيران، وفي ظل عجز الإجراءات التقليدية عن كبح الارتفاع الحاد في أسعار النفط والوقود.
وبات مسؤولو الإدارة الأميركية يقدّرون داخليا أن تداعيات الحرب على أسعار الطاقة قد تستمر لأشهر، خصوصا مع تصاعد القتال في الشرق الأوسط وبقاء المرور عبر مضيق هرمز شبه مستحيل، وهو ما ضاعف الضغوط على الأسواق العالمية وعلى البيت الأبيض في الوقت نفسه.
واشنطن تبحث عن كل برميل متاح
دفعت أزمة الإمدادات الإدارة الأميركية إلى التحرك لتأمين أي كميات إضافية من الخام يمكن ضخها في السوق، حتى لو كان ذلك عبر السماح ببيع شحنات نفط إيرانية موجودة بالفعل في البحر. ويمثل هذا التوجه تحولا لافتا، لأن واشنطن تحاول عسكريا إضعاف إيران، بينما تفتح في الوقت نفسه الباب أمام بيع بعض نفطها لتخفيف حدة الأزمة.
ويرى مسؤولون وخبراء أن الخيارات المتاحة أمام الإدارة باتت محدودة، بعدما استنفدت واشنطن معظم أدواتها التقليدية للتعامل مع صدمات الإمداد، في وقت لا يزال فيه العجز في السوق أكبر بكثير من قدرة هذه الأدوات على التعويض.
وكانت الإدارة الأميركية قد وافقت بالفعل على السحب من الاحتياطيات الإستراتيجية، وخففت بعض القيود على النفط الروسي، كما اتخذت خطوات داخلية لتسريع تدفقات الخام في السوق الأميركية.
لكن هذه التحركات لم تنجح في وقف صعود الأسعار، حيث اقترب خام برنت من 112 دولارا للبرميل بينما واصلت أسعار البنزين في الولايات المتحدة الارتفاع مقتربة من 4 دولارات للغالون.
وفي ظل هذا المشهد، رأت الإدارة أن السماح مؤقتا ببيع النفط الإيراني الموجود في البحر قد يمنح حلفاءها متنفسا قصير الأجل، عبر إضافة نحو 140 مليون برميل إلى سوق تعاني من نقص حاد في الإمدادات.
خطوة محرجة سياسيا
تبدو هذه الخطوة محرجة سياسيا، لأن السماح ببيع النفط الإيراني يعني عمليا منح طهران قدرا من العائدات المالية، في الوقت الذي تخوض فيه واشنطن مواجهة عسكرية معها. كما أنها تضع ترامب في موقف حساس، بعدما سبق أن هاجم بشدة أي سياسات اعتبرها تخفف الضغط المالي على إيران.
لكن داخل الإدارة، غلب المنطق الاقتصادي على الاعتبارات السياسية، مع قناعة بأن ضخ هذه البراميل في السوق قد يكون أفضل من تركها تذهب لاحقا إلى الصين، بينما يظل الحلفاء الآسيويون في حاجة عاجلة إلى الإمدادات.
استند المدافعون عن هذا التوجه إلى أن هذه البراميل كانت ستباع في كل الأحوال، على الأرجح إلى الصين رغم العقوبات. ومن ثم، فإن توجيهها إلى دول حليفة مثل تايلاند أو فيتنام أو الهند أو اليابان يحقق فائدة مزدوجة: يخفف الضغط على الإمدادات لدى الحلفاء، ويقلص المكاسب الجيوسياسية المحتملة للصين من هذه الشحنات.
وقال مسؤولون أميركيون إن الوصول الإيراني إلى الإيرادات سيظل مقيدا، وإن السماح بهذا البيع سيكون مؤقتا ومحصورا بهدف كبح الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى رفع أسعار الطاقة عالميا.
تنفيس مؤقت لا يحل الأزمة
رغم ذلك، لا يتوقع كثيرون أن يكون أثر الخطوة طويل الأمد. فكمية 140 مليون برميل تعادل نحو يوم ونصف فقط من الاستهلاك العالمي للنفط، ما يعني أن أي انفراجة قد تكون سريعة التلاشي إذا استمر تعطل مضيق هرمز أو تصاعدت الحرب أكثر.
ويحذر محللون من أنه إذا جرى استهلاك هذه الكميات بسرعة، فقد تجد الإدارة نفسها أمام نقاش أوسع وأكثر حساسية بشأن تخفيف العقوبات على النفط الإيراني بشكل أكبر، وهو ما كانت تحاول تجنبه حتى الآن.
بين الحرب والاقتصاد
تكشف هذه الخطوة حجم المأزق الذي تواجهه الإدارة الأميركية بين أهدافها العسكرية بعيدة المدى وتداعيات الحرب المباشرة على الاقتصاد والأسعار وشعبية ترامب السياسية. فالرئيس الأميركي يقلل علنا من أثر ارتفاع أسعار النفط والوقود، لكنه يواجه في المقابل ضغوطا متزايدة من الأسواق والحلفاء والشركات بسبب غياب رؤية واضحة لعودة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، تبدو الخيارات الأخرى محدودة التأثير. فالإعفاء المحتمل من بعض قواعد البنزين الصيفي قد يمنح دعما طفيفا للأسعار داخل الولايات المتحدة، لكن أثره يبقى محدودا.
كما أن الإدارة استبعدت حتى الآن فرض قيود على صادرات النفط والغاز الأميركية، لما قد يسببه ذلك من فوضى في الأسواق العالمية، واستبعدت أيضا تدخلا مباشرا في السوق النفطية.
(ترجمات)