hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 زواج الأفارقة من المغربيات.. حرية شخصية أم تهديد للهوية؟

لا توجد إحصائيات دقيقة حول نسبة زواج الأفارقة من المغربيات (إكس)
لا توجد إحصائيات دقيقة حول نسبة زواج الأفارقة من المغربيات (إكس)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • القانون المغربي لا يمنع زواج المغربية من غير المغربي شريطة أن يكون مسلما. 
  • خبير في علم الاجتماع: الزواج المختلط صار واقعا في المغرب ولا يمكن إنكاره.
  • مهاجر مالي: تزوجتها شابة مغربية ولا أعتبر نفسي أجنبيا عن هذه البلاد.

تنتشر في المغرب خلال الأيام الأخيرة معلومات لم يتم تأكيدها بشكل رسمي تشير إلى ارتفاع نسبة زواج النساء المغربيات من مواطنين أفارقة من جنوب الصحراء ممن اختاروا الاستقرار في المغرب عوض الهجرة نحو أوروبا.

وقد أثار تداول خبر يزعم ارتفاع طلبات زواج مواطنين سنغاليين بمغربيات خلال العام الماضي ليصل إلى 12 ألف طلب زواج، حفيظة الكثير من المغاربة الذين يرون في الأمر تهديدًا للهوية المغربية، حيث إنّ هذا الزواج المختلط ستنتج عنه أعراق جديدة مختلطة ومشاكل أخرى ستتحمل مسؤوليتها الأم فقط، حسب منتقدي هذه الزيجات.

زواج المغربيات من أجانب

تشهد ظاهرة زواج المغربيات من أفارقة جنوب الصحراء ارتفاعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، مما أثار نقاشًا واسعًا حول تداعياتها الاجتماعية والقانونية والأسرية، وما تخلفه هذه الزيجات من مشاكل تذهب ضحيتها النساء والأطفال في أغلب الحالات، خصوصًا تلك التي لا يتم توثيقها بشكل قانونيّ بسبب عدم توفر شروط التصريح بالزواج لدى المحاكم المغربية.

وكان تقرير للمجلس الأعلى للسلطة القضائية حول "القضاء الأسري بالمغرب"، شمل المرحلة ما بين 2017 و2021، قد كشف أنه تم خلال هذه الفترة تقديم أكثر من 27 ألف طلب لتوثيق الزواج المختلط، وهو ما يمثل حوالي 2.34% من مجموع طلبات توثيق الزواج التي تم تقديمها بمختلف أنواعها.

وأظهرت بيانات التقرير الرسمي أنّ الفرنسيين والسعوديين والأتراك، هم أكثر الجنسيات الأجنبية طلبًا للزواج بنساء مغربيات ويليهم المصريون والبريطانيون والأميركيون، فيما لم يشر التقرير إلى أرقام تتعلّق بنسبة الزيجات التي يكون طرفها مواطنين أفارقة.

وفي غياب إحصائيات رسميّة حول عدد زيجات المغربيات من أفارقة جنوب الصحراء، يبقى تقدير هذه النسبة مفتوحًا على جميع الاحتمالات، بالنظر إلى أن الكثير منها يتم من دون توثيق رسمي.

وفي هذا الصدد تقول الناشطة الحقوقية إكرام الكحل إن:

  • القانون المغربي لا يمنع زواج المغربية من غير المغربي شريطة أن يكون مسلمًا.
  • بما أن أغلب المهاجرين في المغرب ينحدرون من بلدان إفريقية تدين بالدين الإسلامي، فهناك الكثير من الزيجات التي تتم سنويًا بين نساء مغربيات وموطنين أفارقة.
  • لكن يصعب إحصاؤها لغياب تتبع دقيق لهذه العملية التي تتداخل فيها اختصاصات العديد من السلطات.

حرية شخصية

وتضيف المتحدثة التي تنشط في جمعية "شرق غرب" المدافعة عن حقوق المهاجرين بالمغرب أنّ زواج المغربيات من مهاجرين أفارقة لا يجب أن يكون موضع سخرية أو عنصرية، بل يجب النظر إليه كحالة عادية تعكس التنوع وانفتاح المجتمع المغربيّ على بلدان القارة الإفريقية التي ينحدر منها المغرب في الأصل وتربطها به علاقات سياسية واقتصادية وثقافية ممتدة عبر قرون، فكما تختار المغربية الزواج من أجنبي أوروبي أو آسيوي أو أميركي، فلها الحق في اختيار الزواج من إفريقي، إنها حرية شخصية ولا يجوز لأيّ كان التدخل فيها ومنعها من اختيار شريك حياتها.

"أنا مغربي"

"تزوجتها شابة مغربية ولا أعتبر نفسي أنني أجنبي عن هذه البلاد التي احتضنتني بعدما فقدت الأمل في حياة مستقرة ببلادي، أنا مغربي الآن وأبدا"، هكذا يحكي مختار، وهو مواطن ينحدر من دولة مالي، هاجر إلى المغرب بحثًا عن فرصة لعبور ضفة المتوسط لمعانقة الحلم الأوروبي، لكن جلّ محاولاته باءت بالفشل ليقرّر أخيرًا الاستقرار في مدينة سلا، ويتخذ من إصلاح الأحذية مصدر رزق له.

يحكي مختار أنه فرّ من بلاده بعد تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية قبل سنوات عدة، حيث قطع طريقًا طويلًا في الصحراء الكبرى بحثًا عن أفق جديد رغم المخاطر التي واجهته ورفاقه في طريق الهجرة نحو الشمال، حيث تعرضوا للاحتجاز وسوء المعاملة من طرف عصابات تهريب البشر التي تنشط في منطقة الساحل، قبل أن ينجحوا في الدخول إلى التراب المغربي، وهنا باءت جميع محاولاته بالهجرة نحو أوروبا بالفشل، ليقرّر الاستقرار في مدينة سلا ويتخذ من إصلاح الأحذية وصباغتها مهنة له.

ويضيف المهاجر الإفريقي الذي حصل على أوراق الإقامة بالمغرب سنة 2015، بعدما ظل مطاردًا من طرف الأجهزة الأمنية باعتباره مهاجرًا سرياً لسنوات، أنه لم يجد مشكلة في الزواج من مواطنة مغربية رغم النظرة الدونية التي يعامل بها أحيانًا من طرف المحيط، لكنها سرعان ما تلاشت بعدما نجح في تكوين أسرة صغيرة وصارت تكبر الآن، حيث تتكون من زوجة و3 أطفال.

"لقد قدمت جميع الوثائق المطلوبة للزواج من مواطنة مغربية، ورحبت بي أسرتها، والكل يعتبرنا زوجين ناجحين"، يقول مختار.

عنصرية

وانتشرت عبر مختلف وسائط التواصل الاجتماعي دعوات رافضة لزواج المغربيات من مواطنين أفارقة، بمبررات الحفاظ على النسل المغربي وعدم اختلاطه بالإفريقي، فيما يرى آخرون أنّ هذه الزيجات ستنتج عنها أسر عابرة للحدود ومتعددة الهوية، وهو ما سيهدد الثقافة المغربية الأصيلة، وبالتالي اختلال العادات والتقاليد ودخول أخرى غريبة عليها.

ورفض عبد الرحمن لبيب، وهو باحث مغربيّ في علم الاجتماع دعوات العنصرية المنتشرة عبر الفضاء الرقمي، مشيرًا إلى أنها تنمي حالة الشعور بعدم الأمان لدى الأسر المكونة من زواج مختلط، كما تهدّد استقرار الكثير من الأسر بسبب انتشار التنمر القائم على أساس اللون والنسب بين الأطفال.

وعن مبررات رفض المغاربة لزواج المغربيات من أفارقة يقول لبيب إنّ هذا الرفض نابع من رغبة المغاربة في الحفاظ على "تمغرابيت" وهي الهوية المغربية الأصيلة التي تميزهم عن باقي شعوب المنطقة، مشيرًا في حديث لمنصة "المشهد" إلى أن الزواج المختلط صار واقعًا في المغرب ولا يمكن إنكاره، وذلك بسبب توفر الظروف التي تشجع على ذلك، ومن أبرزها:

  • عزوف الشباب المغربيّ عن الزواج بمغربيات مما دفعهن للبحث عن أزواج أجانب هربًا من العنوسة.
  • الرغبة في الاستقرار وتأسيس أسرة من الطرفين.
  • تحسن ظروف المهاجرين الأفارقة بالمغرب بعد سياسة إدماجهم ومنحهم الإقامة.
  • عدم توفر موانع الزواج التي يحرمها القانون المغربي المتعلق بالزواج.
  • رغبة المهاجرين الأفارقة المقيمين بالمغرب بصفة قانونية في الحصول على إقامة دائمة وجنسية مزدوجة.
  • وجود روابط دينية وروحية بين المغرب والعديد من الدول الإفريقية، وخصوصًا بلدان الغرب الإفريقي.

قصص مأساوية

ومن حين لآخر تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي قصص مأساوية تحكيها بعض المغربيات اللاتي فضلن الزواج بمواطن إفريقي، ومن بينها قصة سيدة مغربية تحكي أنها تزوجت مهاجرا غير نظامي بطريقة عرفية وغير موثقة، وأسكنته معها في بيتها بالدار البيضاء بعدما كان متشردًا بإحدى محطات الحافلات، لكنّه خرج ذات يوم ولم يعد بعدما أغلق جميع وسائل الاتصال به، وتركها حاملًا في شهرها السادس، وبعد طول البحث عنه أخبرها بعض رفاقه في عالم التشرد أنه غادر المغرب نحو أوروبا عن طريق الهجرة السرية، لتجر الزوجة المغربية أذيال الخيبة وتواجه مصيرها وحدها.

وحذّر لبيب في حديث لمنصة "المشهد" من اتخاذ هذه الظروف حجة من طرف المغربيات الراغبات في الزواج والاتجاه بشكل مباشر نحو قبول الزواج بأفارقة من دون التأكد من هوياتهم وأوضاعهم الاجتماعية في بلدانهم، ذلك أنّ الكثير منهم يفرون من بلدانهم بعدما فشلوا في تحمل مسؤولية أسرهم، ومنهم من يتوفر على أطفال تركهم وراءه، كما أن منهم من يكون متابعًا في قضايا إجرامية.

وتتعدّد القصص المأساوية التي يذهب ضحيتها أطفال ونساء لا حول ولا قوة لهم، حيث يجد هؤلاء أنفسهم عرضة للتمييز والعنصرية، وأمام صعوبات قانونية، خصوصًا فيما يتعلق بحقوق المرأة والطفل، حيث يصعب التصريح بهم من دون وثائق تثبت الزواج، ليبقى سؤال توثيق الزيجات والتأكد من طرفها الأجنبي واجبًا تفرضه بقوة التداعيات التي يخلها تنكر وهروب الكثير من الأزواج حينما تتاح لهم فرصة الهجرة ومغادرة المغرب من دون التفكير في مصير الأسرة التي احتضنته يومًا.

إدماج المهاجرين في المغرب

في عام 2013، أطلق المغرب إستراتيجية طموحة لإدماج المهاجرين الذين فضلوا الاستقرار فوق ترابه، وجاءت الإستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء بأبعاد إنسانية وأهداف متنوعة أبرزها تحقيق الاندماج الاجتماعي والاقتصادي.

وواكبتها عملية كبرى لتسوية وضعية عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، حيث تشير معطيات وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، إلى أن العملية الاستثنائية لتسوية الوضعية الإدارية للأجانب المقيمين بصفة غير قانونية بالمغرب من الاستجابة لـ83.53% من الطلبات الواردة، ترتب عنها قبول 23096 من أصل 27649 طلبًا عام 2014، فيما لم تكشف الوزارة عن معطيات تتعلق بالمرحلة الثانية لإدماج الأشخاص في وضعية غير قانونية والتي تم إطلاقها خلال الفترة ما بين 2016 و 2017.

ومن أبرز ركائز هذه الإستراتيجية المساعدة الإنسانية والاجتماعية والتي تهدف إلى إدماج المهاجرين في برامج التضامن والتنمية الاجتماعية، خصوصًا لفائدة النساء والأطفال والمعاقين، كما يهدف إلى مساعدة المهاجرين واللاجئين ضحايا الاتجار بالبشر، إضافة إلى الإدماج عبر التشغيل وذلك من خلال تيسير ولوج المهاجرين لسوق الشغل وتسهيل تسليم رخص العمل وبطاقات الإقامة لفائدة المستثمرين وبعض الكفاءات، ناهيك عن تشجيع استفادة المهاجرين للاستفادة من السكن اللائق، خصوصًا ذَوي الدخل المحدود منهم.

وبحسب تقديرات رسمية لسنة 2023، يعيش في المغرب ما بين 80 إلى 100 ألف مهاجر من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، من 111 جنسية، ويمثلون حوالي 44% من مجموع المهاجرين بالمغرب، يتمركز أغلهم بالمدن الكبرى وكذا مدن الشمال، حيث الجميع يبحث عن فرصة لعبور البحر الأبيض المتوسط والوصول إلى ضفاف القارة الأوروبية بحثا عن مستقبل أفضل.

وخلال العقد الأخير سجّلت التقارير الرسمية والدولية تحول المغرب من بلد عبور للمهاجرين إلى محطة للاستقرار خصوصًا في ظل اشتداد المراقبة عبر البحر المتوسط بتنسيق بين البلدان المغاربية ودول الاتحاد الأوروبي التي تدفع ملايين الدولارات لبلدان المغرب الكبير من أجل منع المهاجرين من عبور البحر تجاه سواحلها.