منذ نهاية فبراير الماضي ومع اندلاع الحرب في إيران، عانت الأسواق بقوة نتيجة ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 50% بفعل إغلاق مضيق هرمز الذي يمر منه 20% من غاز ونفط العالم، كما تأثرت أسواق الأسهم بشكل سلبي، وتعرّض الذهب لضغط كبير من عمليات بيع واضحة لتدبير السيولة لتوفير الطاقة.
ومع تزايد الحديث والأنباء الإيجابية بشأن اقتراب التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، زاد التفاؤل في الأسواق حول عودة الأمور لنصابها الصحيح، وهنا نفتح في منصة "المشهد"، ملفًا مهمًا حول شكل الاقتصاد العالمي في الفترة المقبلة، خصوصًا حركة النفط وهو المحرك الرئيسي للتضخم في العالم، وكذلك توقعات الفائدة والذهب والأسهم والدولار.
الخبراء والمحللون، سادت بينهم حالة من التفاؤل الحذر، لكنهم أجمعوا على تفاعل الأسواق مع التطورات الأخيرة بشأن اتفاق نهائي حول التصعيد في إيران، والجميع ركز على ضرورة فتح مضيق هرمز بدون شروط أو حتى رسوم للمرور، وذلك من أجل عودة الهدوء لأسواق الطاقة، وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على "علاوة المخاطر" التي قد تسهم في تراجع واضح للنفط.
فتح مضيق هرمز من دون قيود
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إنه تم التفاوض "على جزء كبير" من مذكرة تفاهم بشأن اتفاق سلام مع إيران، سيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز، على الرغم من أنّ وكالة "فارس" الإيرانية للأنباء نفت هذا القول.
ونشر ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أنّ الاتفاق الناشئ سيؤدي إلى إعادة فتح المضيق، وهو ممر ملاحي حيوي أدى إغلاقه إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب مع إيران في فبراير، ولم يذكر ما الذي سيتضمنه الاتفاق بخلاف ذلك.
وكتب ترامب على موقع "تروث سوشال": "يجري حاليًا مناقشة الجوانب والتفاصيل النهائية للاتفاق، وسيتم الإعلان عنها قريبًا".
لكنّ وكالة "فارس" أفادت في وقت مبكّر من اليوم الأحد، أنّ الاتفاق سيسمح لإيران بإدارة المضيق، وأنّ تأكيد ترامب بشأن المضيق "لا يتّسق مع الواقع" وفق ما نشرته رويترز.
ذكرت صحيفة نيويورك تايمز نقلًا عن مسؤولَين أميركيّين لم تذكر اسمَيهما، أنّ الاتفاق يشمل "التزامًا واضحًا" من جانب إيران بالتخلي عن اليورانيوم عالي التخصيب.
ونقلت الصحيفة عن المسؤولين قولهما إنّ تفاصيل كيفية تنازل إيران عن تلك المخزونات، ستُترك لجولة لاحقة من المحادثات.
الدولار قد يدفع ثمن التهدئة
الدكتور أيمن حسن الخبير المصرفي، يرى أنّ الأنباء الإيجابية بشأن وقف الحرب، سيؤدي إلى تغيرات واسعة في حركة الأموال عالميًا، خصوصًا في سوق الدولار الذي استفاد بصورة كبيرة من أجواء التوتر وعدم اليقين خلال الفترة الماضية.
وأوضح في حديث مع "المشهد"، أنّ الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، لكنها تسببت في تغيير طريقة تفكير الأسواق العالمية، وكشفت هشاشة النظام المالي العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية، مشيرًا إلى أنّ المستثمرين كانوا ينظرون إلى التأثير الاقتصادي للحرب، باعتباره الخطر الأكبر وليس التصعيد العسكري نفسه.
وأضاف أنّ المخاوف تصاعدت بقوة مع التهديدات المرتبطة بإمدادات الطاقة، خصوصًا أنّ نحو 20% من نفط وغاز العالم يمر عبر مضيق هرمز، وهو ما دفع الأسواق إلى حالة خوف حقيقي انعكست على أسعار النفط التي ارتفعت من نحو 70 دولارًا إلى أكثر من 100 دولار للبرميل خلال فترة التصعيد، الأمر الذي دعم صعود مؤشر الدولار مع الطلب المرتفع عليه.
مخاوف التضخم العالمي
وأشار إلى أنّ ارتفاع النفط زاد من مخاوف التضخم عالميًا، وهو ما دفع الأسواق إلى توقّع استمرار الفيدرالي الأميركي في الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي دعم قوة الدولار وعوائد السندات الأميركية التي اقتربت في بعض الفترات من 6%.
وأكد أنّ الدولار عادة ما يستفيد وقت الأزمات، لأنّ المستثمرين يتجهون إلى بيع الأصول عالية المخاطر، واللجوء إلى العملة الأميركية والسندات باعتبارها ملاذات آمنة، لكن مع التوصل إلى سلام دائم وهدوء التوترات، قد تبدأ التدفقات المالية في الخروج تدريجيًا من الدولار والعودة إلى الأسهم والأسواق الناشئة والاستثمارات الأعلى مخاطرة، بما في ذلك العملات المشفرة.
تخفيف السياسة النقدية
وأضاف أنّ تراجع أسعار النفط وهدوء التضخم قد يمنح الفيدرالي الأميركي بقيادة الرئيس الجديد كيفين وارش، مساحة أكبر لتخفيف السياسة النقدية مستقبلًا، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان الدولار جزءًا من القوة التي اكتسبها خلال الأزمة.
وأشار إلى أنّ الحرب سرّعت كذلك النقاشات العالمية المتعلقة بتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية، مع توسع البريكس واتجاه بعض الدول إلى استخدام العملات المحلية في تسويات التجارة والطاقة، لتقليل تأثير التقلبات الجيوسياسية وارتفاع الدولار على اقتصاداتها.
علاوة المخاطر على النفط
الدكتور خالد عبد القادر رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، شدد على أنّ البطل في هذه الحرب هو النفط، لأنّ الأسواق لم تكن تتحرك فقط وفق المعروض الحقيقي للنفط، وإنما بناءً على المخاوف والتوقعات المرتبطة بالمستقبل، ما رفع علاوة المخاطر التي تجاوزت 16 دولارًا.
وأوضح أنّ ارتفاع أسعار النفط خلال الأزمة لم يكن نتيجة نقص فعلي وكبير في الإمدادات، وإنما بسبب مخاوف المستثمرين من احتمالات إغلاق مضيق هرمز أو استهداف منشآت نفطية في الخليج أو تعطل حركة الشحن البحري، وهو ما خلق ما يُعرف بـ"علاوة الخوف" داخل الأسواق العالمية.
وأضاف أنّ الأسواق قدّمت بالفعل نموذجًا واضحًا لحساسية النفط تجاه أيّ تهدئة سياسية، حيث تراجع الخام عقب إعلان الهدنة الأخيرة من مستويات قاربت 107 دولارات إلى نحو 85 دولارًا للبرميل، ما يعكس سرعة تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية فور هدوء التوترات، وهذا مؤشر على تفاعل متوقع مع التوصل لهدنة أو وقف نهائي لإطلاق النار، وقد يهبط النفط قرب 84 دولارًا، لكنّ عودة الأسواق لطبيعتها قد تحتاج لنهاية الربع الثالث من 2026، كما أنّ تضرر المنشآت النفطية يحتاج أكثر من عامين لإعادة الأمور لوضعها الصحيح.
تراجع الضغوط على الاقتصاد العالمي
وأكد أنّ أيّ اتفاق سلام دائم، قد يدفع أسعار النفط إلى مزيد من التراجع النسبي، وهو ما سينعكس بصورة مباشرة على معدلات التضخم العالمية، لأنّ الطاقة تدخل في تكلفة النقل والشحن والإنتاج والتصنيع، وبالتالي فإنّ انخفاض النفط يخفف الضغوط السعرية على الاقتصاد العالمي.
وأشار إلى أنّ البنوك المركزية العالمية، وعلى رأسها الفيدرالي الأميركي، كانت تخشى استمرار الحرب بسبب تأثيرها على التضخم وأسعار الطاقة والأغذية وسلاسل التوريد، لأنّ الارتفاع المستمر في النفط عقّد ملف خفض الفائدة، بينما قد يسمح هدوء أسعار الطاقة بمرونة أكبر في السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.
إعادة توزيع رؤوس الأموال
وأضاف أنّ الاقتصاد العالمي قد يدخل بعد الحرب في مرحلة إعادة توزيع واسعة لرؤوس الأموال والاستثمارات، مع تحسن شهية المستثمرين تجاه القطاعات الإنتاجية والأسواق الناشئة، مؤكدًا أنّ العالم قد يشهد تغيرات مهمة في خريطة الطاقة وحركة الأموال خلال السنوات المقبلة.
وبشأن أسواق الأسهم والذهب، أشار أحمد فهيم محلل الأسواق المالية، إلى أنّ أسواق الأسهم العالمية قد تكون أكبر المستفيدين من اتفاق دائم لوقف الحرب، لأنّ المستثمرين عادة ما يعودون بقوة إلى الأصول الخطرة، مع تراجع التوترات الجيوسياسية واستقرار أسعار الطاقة.
وأوضح أنّ انخفاض أسعار النفط وهدوء التضخم وعودة التوقعات بخفض أسعار الفائدة عالميًا، عوامل قد تدفع قطاعات التكنولوجيا والطيران والسياحة والصناعة إلى تحقيق صعود قوي، خصوصًا أنّ تلك القطاعات تتأثر بصورة مباشرة بتكاليف الطاقة وأسعار التمويل.
تسعير اتفاق السلام
وأشار إلى أنّ المرحلة التالية لأيّ اتفاق سلام، قد تشهد تذبذبات حادة في الأسواق، لأنّ المؤسسات الاستثمارية الكبرى وصناديق التحوط، غالبًا ما تبدأ في تسعير الأحداث قبل وقوعها فعليًا، وهو ما يعني أنّ جزءًا من سيناريو السلام قد يكون تم تسعيره بالفعل داخل الأسواق.
وفي ما يتعلق بالذهب، أوضح "فهيم" أنّ المعدن الأصفر تراجع نسبيًا خلال الأزمة، بسبب انتقال جزء كبير من السيولة نحو الدولار والسندات الأميركية مرتفعة العائد، باعتبار أنّ الذهب لا يوفر عائدًا مباشرًا للمستثمرين مثل أدوات الدين، لذلك هبط الذهب من 5,200 دولار قبل الحرب لأقل من 4,500 دولار.
وأضاف أنّ تراجع الدولار المحتمل بعد انتهاء الحرب، قد يمنح الذهب فرصة للصعود مجددًا، مشيرًا إلى أنّ بعض التوقعات العالمية، ومنها تقديرات صادرة عن جي بي مورغان، لا تزال تشير إلى إمكانية وصول الذهب إلى مستويات تتجاوز 5,000 دولار للأوقية، رغم خفض متوسط التوقعات بنهاية 2026 إلى نحو 5,243 دولارًا مقارنة بتقديرات سابقة قرب 5,700 دولار.
وأكد أنّ المرحلة المقبلة ستكون من أهم الفترات في الأسواق العالمية، لأنّ العالم سيبدأ وقتها في إعادة توزيع الأموال بين الذهب والدولار والأسهم والطاقة، بما قد يعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي والنظام المالي الدولي خلال السنوات المقبلة.
(المشهد)